سياسةمحليات لبنانيةمن هنا نبدأ

من هو الناخب الأكبر لرئاسة “جمهورية لبنان الكونية”؟(واصف عواضة)

 

كتب واصف عواضة – خاص الحوار نيوز

كلما اقترب موعد الإنتخابات الرئاسية في لبنان ،تعود بي الذاكرة إلى تلك الواقعة من العام 1995التي تحدث فيها الرئيس الراحل رفيق الحريري بصراحة مطلقة ومن دون قفازات، عن طبيعة انتخاب رئيس الجمهورية في لبنان.

وقد سبق لي أن رويت وقائع تلك الليلة في كتابي الصادر عام 2015 بعنوان “ليس كمثله يوم”.ولعل من المفيد أن أعود إلى تلك الواقعة لتلمس من هو الرئيس المقبل وسط هذا الإنهيار المريع الذي يعيشه لبنان على مختلف المستويات ،خاصة المستوى السياسي.

وهذه هي الحكاية كما وردت في الكتاب السالف الذكر:

 

كان يفترض ان تنتهي ولاية الرئيس الياس الهراوي في خريف العام 1995 ،وقد بدأ باكرا البحث في البديل للرئاسة. شعر(الرئيس رفيق) الحريري انه ما يزال بحاجة لمرونة الياس الهراوي من أجل استكمال مسيرة الإعمار على قاعدة “من تعرفه خير ممن تتعرف عليه”.لذلك لم يتوان عن طرح التمديد للهراوي ثلاث سنوات أخرى،واستطاع عبر عبد الحليم خدام وغازي كنعان ان يقنع الرئيس حافظ الأسد بهذا الأمر.

قبل ذلك بعدة أشهر ،كانت البلاد قد دخلت في أجواء الانتخابات الرئاسية،وراح السياسيون كالعادة يتداولون في أسماء عدة لخلافة الياس الهراوي ،لكن الحريري كان قد ضمر ما يريد.

أذكر ان والدة الحريري توفيت في تموز عام 1995 وعكف في دارته في مجدليون شرق مدينة صيدا،على تقبل التعازي.مساء إحدى الليالي توجهت مع الزميلين فيصل سلمان وعدنان الحاج الى مجدليون للقيام بواجب التعزية.كانت الدار تعج بالزوار، لكن الحريري كان في الطابق العلوي لبعض الراحة،فدُعينا لملاقاته في صالون الإستراحة حيث وجدنا في ضيافته نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي والوزير بهيج طبارة والأمين العام لمنظمة العمل الشيوعي محسن ابراهيم ورجل الأعمال الصيداوي عدنان زيباوي والمستشار الإعلامي نهاد المشنوق.وكان من الطبيعي ان يحتل الموضوع الرئاسي صدارة النقاش في هذه الجلسة حيث ذهب الحضور الى التحليل والتنظير والضرب في رمل الانتخابات الرئاسية، فيما الحريري يُنصت مبتسما الى هذه التحليلات .

فجأة قاطع الحريري المتحدثين قائلا: إسمعوا يا أخوان.كل التحليلات السياسية والاعلامية حول الانتخابات الرئاسية لا تستند الى الواقع.ما يجري وسيجري خلال الأشهر المقبلة بشأن الاستحقاق الرئاسي هو مجرد تسلية،لأن أحدا لا يعرف من هو الرئيس المقبل سوى شخص واحد هو الرئيس حافظ الأسد.

أضاف الحريري:سأقول لكم من الآخر.الرئيس الاميركي بيل كلينتون أبلغ الرئيس حافظ الأسد أن رئيس الجمهورية اللبنانية المقبل سيكون من اختيار الرئيس الأسد.وحتى الآن لم يفصح الرئيس الأسد عن مرشحه حتى لنائبه عبد الحليم خدام ،ولا لأقرب المقربين، وطبيعي ألا يخبرني شخصيا أو يخبر غيري بهذا الموضوع .لكنه سيخبرنا في الوقت المناسب ،وسوف تأتي التعليمة للنواب في اللحظة المناسبة ،وسوف ينتخبون من يختاره الرئيس الأسد، وكان الله يحب المحسنين .فبالله عليكم لا تتعبوا أنفسكم وتتعبونا في الفترة المقبلة ،ودعوا هذه المرحلة تمر على خير”.

وهنا رد الزميل عدنان الحاج بفكاهته المعهودة :معقول يصير هيك دولة الرئيس؟ وأردف ضاحكا: ما بيصير هيك يا دولة الرئيس؟

رد محسن ابراهيم قائلا: ولك يا عدنان ،حاكم البلد عم يقول هيك ،وبعدك عم تسأل معقول يصير هيك؟ وضحك الجميع.

دخل لبنان في فترة الستين يوما التي تسبق انتهاء ولاية الرئيس والتي يُفترض انتخاب البديل خلالها ،واذا بالحريري في غداء في دارة الرئيس الهراوي في زحلة يطرح التمديد على الهراوي في حضور خدام وكنعان وبعض الشخصيات.كانت هذه الإشارة الأولى،أما الإشارة الحاسمة فجاءت من الرئيس الأسد نفسه في حديث لإحدى الصحف العربية التي سألته عن هوية رئيس لبنان المقبل فرد بما يشبه السؤال: فهمت ان اللبنانيين اتفقوا على التمديد للرئيس الهراوي ثلاث سنوات ،اليس كذلك؟

وهكذا كان . أقرت الحكومة مشروعا لتعديل الدستور وأحالته الى مجلس النواب الذي أقره بالغالبية المطلوبة ،ويقضي بالتمديد للهراوي ثلاث سنوات،”وكان الله يحب المحسنين” على حد قول الرئيس الحريري في مجدليون(إنتهى).

 

إختلاف الظروف

بعد 27 عاما على هذه الواقعة إختلفت الظروف تماما.كان ثمة راع وحيد وناخب أكبر لا شريك له في معادلة انتخاب الرئيس اللبناني هو الرئيس حافظ الأسد الذي اختار أيضا خلف الرئيس الياس الهراوي عام 1998 (الرئيس إميل لحود)،ومن بعده كانت لسوريا كلمتها في اختيار الرئيس ميشال سليمان والرئيس ميشال عون.وكل ذلك كان بموافقة أميركية أو على الأقل بغض نظر موصوف.

اليوم تبدلت المعطيات .لم يعد لاختيار الرئيس اللبناني راع أو ناخب كبير واحد.صار انتخاب الرئيس للجمهورية اللبنانية “الكونية” يتطلب توافق ناخبين كبار كثر،بدءا من الولايات المتحدة ،مرورا بفرنسا والمملكة العربية السعودية وإيران وسوريا ،وربما الوقوف على خاطر تركيا.وهذا الواقع ناجم عن تعدد الولاءات اللبنانية للقوى الخارجية.وعليه يخشى أن يكون الفراغ الرئاسي هو المرجح ،توطئة ل”دوحة جديدة” كتلك التي أنتجت الرئيس ميشال سليمان، وليس واضحا حتى الآن مكانها وزمانها.

ليس خافيا على أحد أن الاستحقاق الرئاسي الذي تبدأ مهلته الدستورية بعد أقل من شهر،تتردد حياله أسماء أربعة مرشحين موارنة ،ثلاثة مدنيين وعسكري.ولكل من هؤلاء عقبات تعترض طريقه الى قصر بعبدا.هناك اثنان من هؤلاء لا يمكن أن تتوفر لهما الظروف الداخلية والخارجية للرئاسة،وهما جبران باسيل وسمير جعجع ،لأن “الفيتوات” في وجههما كبيرة وكثيرة.أما الإثنان الآخران(سليمان فرنجية وجوزف عون) فيتطلب وصول أحدهما مجهودا توافقيا كبيرا في الداخل والخارج .وهنا تلعب المواقف الداخلية للقوى السياسية دورا أساسيا ورئيسيا في هذا المجال.

ثمة ناخبون كبار في الداخل سيكون لهم الدور الأبرز في اختيار رئيس الجمهورية،كل منهم قادر بشكل أو بآخر على تعطيل الاستحقاق،لكن أحدا منهم ليس قادرا على فرض إرادته في اختيار الرئيس.وهنا يدخل الناخبون الخارجيون الكبار على خط الاستحقاق.

  • يبقى الثنائي الشيعي وحلفاؤه الناخب الأكبر الذي لا يمكن تجاوزه .ومن هنا ينبغي على أي مرشح أن يتفاهم معه،فكيف إذا نضم اليه التيار الوطني الحر الذي يمكنه أن يكون شريكا فاعلا في اختيار الرئيس إذا ما طوى مسألة ترشح رئيسه جبران باسيل لهذا المنصب.
  • الثنائي المسيحي الأقوى (التيار الحر والقوات اللبنانية) يشكل تفاهمه ناخبا كبيرا لا يمكن تجاوزه.لكن إذا اختلفت رؤيته تضعف طاقته، حتى على التعطيل.وتفاهمه يعني استبعاد فرنجية من السباق.
  • يبقى الناخب السنّي المشتت في هذه المرحلة،فقد ضيّع غياب سعد الحريري فرصة اعتباره ناخبا كبيرا .وللأمانة لا يتحمل الرجل وحده مسؤولية هذا الواقع ،بل من دفعه إلى الغياب والتغييب.وعليه سوف تتوزع الأصوات السنية بين المحورين الشيعي والمسيحي.
  • تبقى كتلة نواب التغيير ال13 .إذا اتفقت كلمتهم على مرشح معين ،فيمكن أن يشكلوا ناخبا كبيرا ومؤثرا .ولكن لا يبدو حتى الآن أنهم في هذا السبيل.عندها سيكون مآلهم شبيها بالنواب السنّة.
  • يبقى وليد جنبلاط وكتلة اللقاء الديموقراطي.يمكن أن يشكل الزعيم الدرزي ناخبا كبيرا في حال مال بالكامل إلى أي محور من المحورين،وليس مستبعدا أن يعود جنبلاط بيضة القبان في الانتخابات الرئاسية ،فيكون ساعتئذ الناخب الأكبر في هذا الاستحقاق.

      بناء على ما تقدم تبدو الخريطة السياسية الداخلية للاستحقاق الرئاسي معقدة ،لدرجة أن أحدا من الناخبين الكبار لم يفصح حتى الآن عن خياراته .ولسوف يفسح هذا الواقع للقوى الخارجية أن تحشر أنفها في هذا الاستحقاق ،ويتزايد ذلك كلما اقترب موعد الانتخاب،ولسوف يتزايد أكثر فأكثر إذا ما تعذر الانتخاب ،وهو ما يبدو مرجحا حتى الآن،وستكون الطامة الكبرى إذا ما استقبل لبنان الفراغ الرئاسي في الأول من تشرين الثاني المقبل بحكومة تصريف أعمال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى