العالم العربيسياسة

مشروع الفاو الكبير: العراق وحرب الموانيء الخليجية

 


د. جواد الهنداوي *
                
العنوان يفصحُ عن السبب الأساسي لتعثر تنفيذ المشروع، والذي يعود تاريخ حجر أساسه الى عام ٢٠١٠.
هو مشروع استراتيجي على المستوى الاقتصادي و السياسي، وصفة استراتيجية المشروع لا تهّمْ العراق فقط، وانّما تهّمْ امريكا واسرائيل وحلفاءهما، الذين يجاورون العراق ويشاطرونه الضفة الاخرى من خليج البصرة، والذي قريباً ( وأقصد الخليج ) سَيسّميه أشقاؤنا " بالخليج الإبراهيمي " ، تيممّاً بإتفاقية التطبيع الأولى " اتفاقية السلام " بين العدو الاسرائيلي والأشقاء في الامارات و البحرين.
أمريكا و اسرائيل وحلفاؤهما أستكثروا على العراق الامن  وخدمة الكهرباء، فهل نتوقّع منهم السماح للعراق بإنشاء مشروع الفاو الاستراتيجي في البصرة، والذي سينافس موانئ اسرائيل وحلفائها في المنطقة؟
لم استخدم مفردة " السماح للعراق "، في الفقرة اعلاه، لتقليل شأن العراق و قدراته، وإنما لتبيان حقيقة مفادها بأنَّ إرادة العراق السياسية والاقتصادية لاتزال مرهونة رسمياً من قبل قرارات مجلس الامن ( الفصل السابع )، ومن قبل امريكا  ومصرفها الفدرالي و هيمنتها على صندوق النقد الدولي وعلى البنك الدولي.
لاتزال إرادة العراق السياسية والاقتصادية مرهونة ومُكبّلة ايضاً بأدوات الفساد و العمالة التي تستهدف القيم والمواطنة والسيادة .
امريكا و اسرائيل و حلفاؤهما استهدفوا وما زالوا الدولة والمجتمع والدين في المنطقة: استهدفوا الدولة من خلال الاحتلال والقصف والتدمير والعقوبات والحصار ونهب الثروات ،واستهدفوا المجتمع من خلال تسقيط قيمه ومبادئه  ومُثله ،و استهدفوا الدين من خلال نشر الفتنة الطائفية والإرهاب و"داعش" الذي حملَ راية لا الله الاّ الله وأجرمْ بأسمها.
تبّنتْ دول الخليج ( الامارات، قطر ، الكويت ) ومنذ عام  ٢٠١٠ سياسة الموانئ، و التنافس في ما بينها على توسيع موانئها القديمة وإنشاء اخرى حديثة .
قطر أنشأت عام ٢٠١٠ ميناء حمد وتّمَ تشغيلة عام ٢٠١٦ وهو رابع وأكبر ميناء في قطر ،ويُعد من الموانئ الكبيرة في العالم.
الامارات افتتحت عام ٢٠١٢ ميناء خليفة في ابو ظبي ، وهو ثامن واحدث موانئها واكبرها في المنطقة وفي العالم ( يأتي في المرتبة الثالثة عالميًا ) .
الكويت مستمرة في تشييد  وإنجاز ميناء المبارك الكبير ، وهو سادس ميناء لدولة الكويت .
دول الخليج ، والتي تنتشر فيها القواعد الامريكية والغربية ،  ولبعضها علاقات مع اسرائيل ،مميزة بالسّرْ سابقاً، وبالتطبيع وبالتحالف حالياً، هي التي انفردتْ في المنطقة،  ومابين الدول العربية ، بتطوير موانئها القديمة و إنشاء اخرى حديثة و متطورة .
وليس من دون تخطيط ومن دون قصد أنْ يتدشنْ التطبيع الإماراتي – الاسرائيلي ، بمذكرة تفاهم بين ادراة الموانئ في الامارات  ونظيرتها في اسرائيل، وبخصوص التعاون والتنسيق مع ميناء ومنطقة جبل علي التجارية .
الهدف هو ان تصبح اسرائيل  دول الخليج مركز الشرق للتجارة والنقل المائي والموانئ وربط السكك الحديدية .الهدف هو ان ينتقل  مركز الشرق من العراق والأردن وسوريا ولبنان وفلسطين الى دول الخليج واسرائيل . هل نتوقّع من اسرائيل و امريكا والرجعية وحلفائهم في المنطقة، والذين  استخدموا ووظفوا الارهاب لتدمير دول ومجتمعات وثروات العراق وسوريا ولبنان واليمن ،و الذين هُمْ مِنْ وراء تدمير مرفأ بيروت ، أنْ يسمحوا ببناء ميناء الفاو الكبير  ؟
اختّصتْ الامارات ، عن باقي دول الخليج، بتبني سياسة موانئ ليس فقط محلية او عربية او حتى إقليمية ، وانّما دوليّة. سياسة موانئ ليست ذات طابع اقتصادي و ربحي وانماّ ذات أهداف سياسية و عسكرية، وتخدم المصالح الامريكية  والاسرائيلية .
اليوم، الامارات أصبحت تسيطر على موانئ اليمن، من ميناء المُكلا شرقاً و حتى ميناء عدن غرباً، وتسعى الى السيطرة على موانئ القرن الأفريقي ،في جيبوتي و ارتيريا ، وميناء بربرة في جمهورية ارض الصومال، وبمخالفة لقرارات حكومة الصومال الفدرالية، وفي السنغال وموزمبيق و مالي والكونغو.
مسعى الامارات أقتصادياً  وسياسياً في المنطقة و العالم لم يكْ دون مشاركة إرادة امريكية اسرائيلة ،لاسيما في المناطق و القطاعات ذات البعد الجغرافي الاستراتيجي ، وله الحق ان يحتفل نتنياهو بالتطبيع  وبالتحالف مع الامارات، كونها ( واقصد الامارات ) ستسمح بالتواجد الاسرائيلي في الجغرافية العربية والإقليمية والدولية الاماراتية .
لذا في مصلحة اسرائيل وعملائها ان تتعطل قدرات العراق: أزمة مستديمة  في الكهرباء، أزمة مستدامة في الاستثمار، أزمة مستدامة في المشاريع  الاستراتيجية كمشروع الفاو الكبير ومصفى الفاو الكبير .
ومن اهم وسائل وأدوات تعطيل قدرات العراق هي عدم استقراره، وتشجيع انتشار الفساد، وتكبيل الدولة ورهنها بشروط الفصل السابع وقرارات مجلس الامن، وبوصاية امريكية، وعجز نظامها السياسي على إنتاج سلطة تنفيذية قويّة قادرة على اتخاذ قرارات سيادية  وبنّاءة.
*سفير عراقي سابق ورئيس المركز العربي الأوروبي للسياسات وتعزيز القدرات-بروكسل


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى