سياسةمحليات لبنانية

متى يتوحد اللبنانيون؟


يُقدَّر عدد سكان لبنان، على ذمة الإحصاء الأخير، حوالي أربعة ملايين في الداخل، وأربعة أضعافه في الشتات، ما يشي بأن الهجرة اللبنانية ليست واقعاً جديداً نعيشه بسبب الحرب الأهلية وما رشحت عنها من أزمات متتالية، بل إنها تمتدُّ إلى ما قبل ذلك بعقود طويلة. ولا شك أن لضيق الحال والسعي لتحسين الأحوال والمطامح والمغامرات وما شابه عناوين مقبولة لفهم هجرة اللبناني إلى ما وراء البحار، لكنها ليست العناوين الأساس لها. كما نفهم مدى وقع حروب القرن العشرين، ثم احتلال فلسطين، ما فرض وجود عدو شرس يتربّص بلبنان وأهله الدوائر، واعتداءاته المتكررة تؤكّد ذلك. لكن مثل هذه الأسباب لم تكن محصورة في لبنان وحده، ومن العبث إلقاء اللوم دوماً على المؤثرات الخارجية وتزيين الواقع اللبناني بأنه يتمتع بموزاييك فريد من التنوع في كل أشكاله واتجاهاته ولطالما فرحنا به وفخرنا بجماله.
لكن الأزمة المتفاقمة التي يجب أن نواجهها ونسعى لإيجاد حلول جادة لها أننا كلبنانيين لا نتفق على أمر مهما كان حجمه أو خطورته، في الشكل أو في المضمون، في الجوهر أو في العرض، في النظريات أو في التطبيق، في الحرب أو في السلم، في الصديق أو في العدو، وعناوين كثيرة لا تنتهي.
لو حاولنا استقراء التاريخ منذ ما بعد استقلالنا، لوجدنا أن خلافات الأحزاب والطوائف والمذاهب والمناطق و… هي انعكاس لنفس ما نشهده في حاضرنا والماضي القريب، مع تنوع هذه الخلافات واختلاف طبيعتها وجوهرها التابعة للظروف الداخلية والخارجية السياسية وغير السياسية التي تحدد نوعية هذه الخلافات وطبيعتها. ولا ريب أن الدخول في كثير من هذه التفاصيل سيؤدي إلى نكء الجراح واستعادة ماضٍ نهرب منه جميعاً. ولهذا فليكن التمثيل بالماضي القريب والحاضر الماثل أمامنا: هل اتفق اللبنانيون على قانون انتخاب جامع؟ على حكومة ورئيس؟على زعيم ينضوون تحت رايته؟ على دولة شقيقة أو صديقة؟ هل يتفقون اليوم على الحكومة الحالية؟ هل سيتفقون على البيان الوزاري والثقة بالحكومة؟ هل يتفقون على التظاهرات أو الحراك أو الثورة، وهم لم يتفقوا أصلاً على التسمية، واستحال هذا التجمع إلى أكثر من شارع وشارعين؟ والسؤال الأساس في هذا الوضع المفصلي الذي يعيشه وطننا: هل هناك خطة موحّدة للخروج من المأزق الاقتصادي الخطير الذي أصبحنا فيه على وشك الانهيار، بالإضافة إلى مآزقنا السياسية والقانونية والاجتماعية والدينية؟
لا شك أن المؤامرات تأتينا من الخارج، ولا يستهين أحد بحجمها، لكنّ تفرق اللبنانيين في مواجهتها، فضلاً عن أساس تلاقيهم بحقيقة أنها مؤامرة، ما يصعّب الأمور أكثر، ويسهّل إيقاظ الفتن في كل يوم نواجه فيه مشروعاً جديداً أو فكرة أو انتخاب أو إصلاح أو بناء أو هدم أو حرب أو انتصار… هل نحتاج في ذلك إلى أمثلة؟ هل يعيش اللبنانيون حالة واحدة متجانسة تجاه بلدهم وأوضاعه المختلفة؟ وهل هي أزمة ثقافة أو اعتقاد أو مفهوم مختلف للوطن والمواطنة؟
لقد تعب الجميع من خلافات لا تنتهي، ونزاعات سياسية عند كل مفترق، والكل يدّعي الصدق والشفافية والأمانة متهماً الخصم في الضفة الأخرى من الوطن بكل الشنائع والموبقات، والغريب أن لكل مدعٍ جمهوراً يصدقه ويؤمن به ويصفق له.
لم تعد الأوضاع تحتمل تضييعاً أكبر في الوقت والسجالات البغيضة وكسب الأوراق السياسية وإطلاق الشعارات الكاذبة في خطب رنانة ومحاورات زائفة ولقاءات خادعة، فالوطن ينزف كما لم ينزف من قبل، والدولة تنهار كما لم تنهر من قبل، والشعب مهدد في كيانه كما لم يهدد من قبل، والهجرة تسجل رقماً قياسياً، فإن لم يتوحد اللبنانيون في هذه الآونة المصيرية، فمتى عساهم يتوحدون؟   
 
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى