مبادرات لحماية ذاكرة جبل عامل : الآمال عريضة لكن العقبات جمة

أحمد مالك عبدالله – الحوارنيوز- خاص
تتوالى وتتراكم المبادرات هذه الأيام، تحت مسمى حفظ الذاكرة التراثية والعمرانية والثقافية في جبل عامل… وتتسابق الرعائيات الرسمية والمجتمعية لإحتضان هذه المبادرات.
وتعددت المسميات وتنوعت الأهداف، يبقى الأهم بالنسبة لنا هو بلورة خطة عمل واضحة تؤتي ثمارها اليانعة لينالنا نفعها ونجني فوائدها، ويبرهن على قبولنا التحدي الصعب بأن ذاكرتنا العمرانية والحضارية لن تغيب عن الوجود مثلما يخطط له الصهاينة أعداء الإنسانية والوجود فهل سنصل الى مثل هذه الخطة؟
انطلقت هذه المبادرات مجرد الإعلان عن وقف إطلاق النار المزعوم في أواسط شهر نيسان الماضي، لتثبت مقولة شيخ الصحفيين اللبنانيين الراحل الأستاذ طلال سلمان: الهزيمة ليست قدراً. وتم التشمير عن السواعد والانتقال من طور جلد الذات وترديد كلمات لو….. لو …… الى طور إيجاد فرص جادة وحثيثة لتدارك ما يمكن إنقاذه. مع ملاحظة أن بعض هذه المبادرات سرعان ما كبا وهجها في اليوم التالي للإعلان عنها، ومنها ما أن يظهر بريقها في ليلة الاطلاق ويمتد لبضعة أيام ويمكن لأسبوعين أو أكثر قليلاً، ولكن فجأة يخبو ضوؤها وتتلاشى أطيافها بين زحمة الأيام، ولكن الأمل معقود أن العزم لن يلين وان المثابرة لن تتقهقر لنيل المراد من هذه المبادرات الغنية بمآثرها.

مهندسو بيروت تداركوا الأمر
تداعينا الى نقابة المهندسين في بيروت، لحضور مبادرة ترعاها النقابة تحت مُسمى “حماية الذاكرة العمرانية والتراثية للبنان”، بعدما تعرض وما زال يتعرض ثلث وطننا لبنان من قبل العدو الغاشم في تدمير ممنهج، لمختلف مكونات بنيته التحتية، منازل سكانه، أبنية مؤسساته الحكومية والخاصة، إنشاءاته الاقتصادية (عمائر سياحية، مصانع، مستودعات، ومزارع حيوانية) وأيضاً في ثروته الزراعية (حقول، بساتين، مراعي، غابات، وأحراش).
وتنطلق المبادرة من أن حماية المبنى هي حماية للذاكرة الاجتماعية، الثقافية والاقتصادية التي تشكلت حوله على مر الأزمان، فهي إرث متراكم عبر التاريخ، وقبل أن يُمسي الحطام هو السرد الوحيد المُتبقي. تقوم المبادرة بالشراكة مع قيادة الجيش اللبناني، الوزارات المَعنية، الأجهزة والمؤسسات الرسمية، الجامعات وأربطتها الأكاديمية (العمارة)، البلديات واتحاداتها المناطقية، النقابات وروابطها المهنية، الهيئات المتخصصة وكوادرها الاستشارية، الجمعيات وطواقمها اللوجستية، المنظمات الدولية وفروعها المحلية.

نقيب بيروت كان سباقا
بداية اللقاء كانت مع المهندس فادي حنا نقيب المهندسين في بيروت، الذي استهل كلمته مستذكراً المائة شهيد من النقابة الذين سقطوا صرعى في هذه الحرب، منهم من عمل معه بماكينته الانتخابية الأخيرة للفوز في منصب النقيب، مُبدِياً خشيته العُظمى من هذا السكوت الدولي المُطّبق لهذه الإرتكابات المتواصلة التي يقوم بها الأعداء الصهاينة من دون هوادة في سحق المواقع الأثرية والأبنية التراثية من سرايات قديمة، منازل عتيدة، دور عبادة (كنائس، مساجد ومقامات تاريخية)، مُطلقاً نداء أن إعادة الاعمار هي بالأصل مشروع وطني جامع قبل أن يكون منهج هندسياً خاص، مؤكدا ألا يتم محو الذاكرة العمرانية لمجتمعنا وإضاعة ما قام السلف في بنائه، متعهداً بوضع كافة إمكانات النقابة في خدمة هذه المبادرة النبيلة التي تشمل إنشاء قاعدة بيانات مركزية للنواحي المنكوبة متضمنة إرثها التاريخي، ميزاتها الخاصة وكل ما كان قائما قبل الدمار المُهين الذي افتعله بنو صهيون، على ألا يُجابه عملهم هذا بالخذلان والتثبيط من الجهات الأخرى وبالأخص بعض من الأجهزة الحكومية.

فرع العمارة المعنّي الأول
ثم اعتلى المنصة المهندس بسام علي حسن رئيس فرع المهندسين المعماريين الاستشاريين في نقابة المهندسين في بيروت، الذي أكد أن أمننا الثقافي الاجتماعي والعمراني غير قابل للإلغاء مهما تسلطت عليه قوى الشر والعدوان الجائر المستبد. كما رأى ان عملية إعادة الاعمار بعد هذه الحرب المُدمّرة هي أقسى التحديات التي تواجه مجتمعنا المتهالك أصلاً، حيث يتكامل البُعد الحضاري البشري مع المقتضيات والشروط الفنية، مُراعياً بكل تأكيد الحفاظ على الإرث العمراني والاستقرار الثقافي وتخطيط المدن بالإضافة للتنمية المستدامة علاوة على التآزر مع المجتمع الدولي.
وشدد المهندس ايلي حاوي مدير مرصد القضايا العمرانية، على إننا لا نخسر البنيان والعمران ولكن نخسر الذاكرة الحافظة لتراثنا ولهويتنا وكينونة وجودنا، مطالباً بإعادة تشكيل الأمكنة لرفع معنويات الأهالي وغرس الأمل في نفوسهم، مُضيفاً أننا نجمع شتات الذاكرة لنثبت للعالم بأسره أننا أهل للعيش بسلام ووئام.

منسق المبادرة
وأخير أخذ الكلام الدكتور المهندس حبيب إبراهيم صادق (رئيس لجنة تنسيق المبادرة) طارحاً تساؤلا مُفعماً بالتحذير والجدية في آنً واحد: “ليس مهم إعادة بناء الحاضرة، بل الأهم كيف تعود هذه الحاضرة للحياة؟ فهي تراث مُتحصل من عادات وتقاليد وأسلوب معيشة”.
ثم ألقى د. صادق بيان إعلان المبادرة مُعدداً الجهات التي أبدت رغبتها في المساندة والمشاركة في إنجاح المبادرة للقيام بأعباء المهمة المرجوة من أجل أن تحقق الأهداف التي انطلقت من أجلها. وتسعى هذه المبادرة ومن خلال مرصد القضايا العمرانية في نقابة المهندسين – بيروت، لحشد مختلف الخبرات المتنوعة والتجارب الناجحة سواء الهندسية أو الأكاديمية، القانونية والثقافية.
وفي ختام كلمته، أوضح د. صادق أن النقابة لا تطرح نفسها بديلاً عن الدولة، ولكنها تؤدي دوراً مُكملا عبر المجتمع المدني الأكاديمي والمهني، على ألا تُترك المناطق المفجوعة رهن التسوية السياسية المُجحفة والمُحاصصة المقيتة.
حوار مع الجمهور
ومن ثم أُعطي المجال للسادة الحضور الكرام لطرح استفساراتهم والاستماع الى ملاحظاتهم وتعليقاتهم على العمل المزمع القيام به. فاستهل الكلام المحامي زياد بيضون نائب رئيس بلدية بنت جبيل، الذي شرح الجهود الجبارة التي قامت بها المدينة من أجل توثيق وتدوين مختلف حالات الدمار سواء الشامل أو الجزئي الناتج جراء العدوان الصهيوني الغادر والمتواصل تداعياته دون انقطاع، مع تجهيز ملف وثائقي متكامل مع الصور الايضاحية اللازمة سواء قبل الدمار أو بعده.
بدوره، أثنى منسق المبادرة د. حبيب صادق على الجهود الجبارة التي قامت بها مدينة بنت جبيل فكانت السباقة في هذا المضمار الذي خاضه القلة، منوهاً بأن إدارة المبادرة سوف تطرح ما قامت به مدينة بنت جبيل الصامدة كنموذج قياسياً موفقاً لتنهج على منواله بقية المدن، البلدات والقرى المتضررة من العدوان الظالم.
والتمس السيد إسكندر بركة رئيس بلدية مشغرة ورئيس اتحاد بلديات البحيرة امكانية الاهتمام بالمنطقة الخاصة بالدباغات في وسط مدينته، بالإضافة للمغاور في منطقة السهل، لما لهما من أهمية تاريخية وتراثية في منطقة البقاع الغربي.
ومن جهة أخرى، طلب المهندس علي سميح رمضان المدير العام لمديرية التنظيم المدني في لبنان، بعدم انتظار المساعدات الموعودة للبدء بما هو مطلوب وذلك لعدم توفر الظروف الأمنية المساعدة ولا الاعتمادات المالية اللازمة.
ومن ناحية أخرى أكد المهندس علي رمضان على قيام التنظيم المدني بحماية الذاكرة الورقية العمرانية للمحافظات المتضررة بالشراكة التامة مع نقابة المهندسين. كما وعرض التعاون الكامل مع النقابة على تسهيل العمل لإنجاح المبادرة في تنفيذ الأهداف التي ترنوا لتحقيقها.
وأبدى عدد من الحضور كل في مجاله بتعليقاتهم واقتراحاتهم بالإضافة لتوصياتهم في شأن تعزيز عمل المبادرة من أجل أن تصل الى شاطئ الأمان الذي يرغبه لها الجميع.
النوايا صادقة والأمل معقود
الآمال عريضة والنوايا صادقة، ولكن العقبات جمة، والمُحبطون أكثر، والبلد بحاجة ماسة الى هكذا مبادرة حيوية، تحفظ ولو بالحد الأدنى من ذاكرتنا التراثية للعمران الذي صاحبنا منذ بزوغ الموئل اللبناني في كينونة تاريخ هذه المنطقة الحيوية المنتصبة على شرق البحر المتوسط مهد الحضارات ومنبت الرسالات، وخاصة بعدما رأينا من حرصٍ جمّ من مختلف الفرقاء بالوطن المُنهك، للحفاظ على الماضي التليد، مع مراعاة خصوصيات تلك المدن والبلدات كل حسب تنوعه وتميّزه، وخاصة أن الجميع أبدوا كل استعداد لنجاح هذا المشروع الحيوي لما فيه من حفاظا على الأصالة الحيوية التي ميزت الشعب اللبناني على مر الأزمنة والعصور.

*اعلامي ومُدقق تاريخي



