سياسةمحليات لبنانية

ما هو المطلوب من الدولة بعد إعلان التعبئة العامة؟

 

د.خضر ياسين
قبل توقيع اتفاقية وستفاليا في العام 1648 التي يعود لها الفضل في نشأة الدولة الحديثة، تميزت العصور القديمة والوسطى بغياب مفهوم الدولة بشكلها الحالي، إذ سادت في تلك العصور تسميات مختلفة كالأمبراطورية والسلطنة والممالك، وهذه الأخيرة حكمت خلال العصور الوسطى بإسم الدين(كفرنسا مثلآ) حيث كان لسلطة الكنيسة الدور الهام في الحكم، فانتشرت الحروب الدينية المشهورة في أوروبا لمدة 30 عامآ وانتهت بتوقيع اتفاقية وستفاليا عام 1648، ومنذ ذلك التاريخ تعتبر الدولة إحدى الحقائق في السياسية المعاصرة والتي تمثل الركيزة الأساس لتشكيل النظام الدولي الحديث.
والدولة من حيث المفهوم القانوني لها هي عبارة عن مجموعة من الأفراد يعيشون ضمن مساحة جغرافية معينة يمارسون عليها أنشطتهم المختلفة، وينظمهم نظام سياسي يتفقون عليه، ويتولى هذا النظام تسيير شؤون الدولة وإدارتها.والدولة ككيان يتمتع بالسيادة يعود لها مجموعة كبيرة من الوظائف القانونية والدولية والأمنية والاقتصادية والمالية والاجتماعية.وهذه الوظائف اختلف مجال تطبيقها في فترات زمنية محددة، فما كان سائدآ قبل الثورة الصناعية عام 1929 لم يعد قابلآ للتطبيق بعدها، لأن هذه الثورة التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر قد قلبت الأوضاع الإقتصادية والإجتماعية وأنتجت أفكارآ ونظريات سياسية_إقتصادية تعبّر عن الواقع الجديد الذي ساهمت بنشوئه الثورة الصناعية، وتناولت طبيعة الدولة وعلاقاتها مع مواطنيها، خاصة اننا اليوم نعيش في عالم متغير، زالت فيه الحدود التقليدية بين الدول، في عالم دخل عصر ثورة المعلومات وما نتج عنه من وسائل الاتصال والتكنولوجيا المتقدمة.
لذلك قبل الثورة الصناعية في العام 1929 نشأ مفهوم الدولة الحارس او الدولة الشرطي التي تنحصر مسؤوليتها فقط في حماية الحدود من أي إعتداء خارجي وفي فرض وإستتباب الأمن وحماية الأفراد على الصعيد الداخلي من الإعتداء والسرقة وغيرها من الجرائم، وتكون مؤسسات الدولة الحكومية الشرعية الوحيدة هي المؤسسة العسكرية والشرطة والمحاكم، وبالتالي كانت وظائف الدولة محصورة فقط بالأمن والحماية والدفاع والعدالة.
لكن تطور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية فرض ضرورة التخلي عن مفهوم الدولة الحارس، وانتشر محله مفهوم الدولة المتدخلة، فبعد أن ساد العالم الكساد العالمي الكبير عام 1929 برزت أفكار منها النظرية الكينزية(في بريطانيا نسبة الى المفكر الاقتصادي كينز) التي نادت بضرورة تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي من اجل مكافحة حالة الركود والانكماش الاقتصادي التي سادت في تلك الفترة، وذلك عن طريق الإنفاق وضخ كميات من النقود.ولذلك اصبحت الدولة في العصر الحالي دولة متدخلة في توجيه الأنظمة بمختلف تسمياتها الاقتصادية، والاجتماعية، والصحية، والتربوية، والبيئية، وغيرها، وتقديم الخدمات العامة لمواطنيها بأنواعها العديدة.
من هذا المنطلق وبعد أن اعلنت الحكومة اللبنانية بتاريخ 15/3/2020 حالة التعبئة العامة في البلاد وقررت مجموعة من التدابير المتعلقة بها حفاظآ على سلامة المواطنين ومواجهة الوضع الصحي الطارئ والخطير، وتبع ذلك مؤتمر صحفي لرئيس الحكومة حسان دياب بتاريخ 21/3/2020 شدد فيه على ضرورة الالتزام بمقررات مجلس الوزراء والطلب من الجهات العسكرية والأمنية التشدد بتطبيقها، فإن مسؤولية الدولة اللبنانية لا تقف عند هذا الحد، وإنما إنطلاقآ من دورها كدولة رعاية يتوجب عليها بذل كافة الجهود ومضاعفة نشاطها اتخاذ اجراءات متشددة لمواكبة إعلانها حالة التعبئة العامة أو حالة الضرورة الطوارئ المقنعة، وأهمها:
-الإسراع في وضع وتطبيق خطة عاجلة مستقبلية في حال ساءت الاوضاع وتجهيز مستشفياتها الحكومية لتخفيف الضغط عن مستشفى رفيق الحريري، وكذلك طلب وفرض هذه الخطة على المستشفيات الخاصة المؤهلة لذلك.
– العمل على تطبيق سياسة الامن الغذائي للمواطنين من خلال مكافحة الاحتكار والتلاعب بالأسعار واستغلال حاجات الافراد من قبل التجار الذين يحققون في هذه الفترة أرباحآ مالية طائلة.
-العمل على توفير المنتجات والادوات والمستلزمات الطبية الوقائية للمواطنين أو بالحد الأدنى التشدد في مراقبة الأسواق في ظل الحديث عن وجود مستلزمات وقائية غير مطابقة للمواصفات والمعايير الطبية المعتمدة عالميآ، وملاحقة ومحاسبة من يبيعها لأن من يقوم بهذا العمل سوف يكون مرتكبآ لجرمآ مقصودآ بإلحاق الضرر بالصحة الجسدية والسلامة البدنية للمواطنيين اللبنانيين وغيرهم.
– مراقبة الوسائل الإعلامية وخاصة وسائل التواصل الإجتماعي التي تنشر معلومات غير صحيحة في ظل تقارير دولية ومحلية تشير الى أن الحالة النفسية للفرد تلعب دورآ هامآ في مجابهة هذا الفيروس.
– تشير التقارير الدولية والوطنية الى ارتفاع عدد العائلات التي تعيش تحت خط الفقر ومن المرجح ان تفوق نسبتها ال 50%، وهذا ما حذّر منه البنك الدولي عام 2019، مما يوجب الإسراع في تأمين المساعدات الاجتماعية والغذائية للمحتاجين في ظل وجود عشرات الآلاف من المواطنين دون دخل بسبب تدابير التعبئة العامة وحظر التجول واقفال الكثير من القطاعات والمؤسسات الصناعية والتجارية.
– قيام مصرف لبنان بالإسراع في تفعيل القرار الذي اتخذه بشأن منح قروض ميسرة للشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية بفائدة 0% لمدة 5 سنوات، وهذه خطوة مهمة من شأنها ضح سيولة نقدية تساعد هذه الشركات والمؤسسات على دفع الرواتب للعاملين فيها وبالتالي استمرار الحركة الاقتصادية في البلاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى