سياسةمحليات لبنانية

مئوية لبنان الكبير – قراءة نقدية (1)

 

د.محمد بسام
بمناسبة "مئوية لبنان الكبير" نسجل سريعا الملاحظات التالية:
"غياب الفكر النقدي البنّاء.
حضور كشكول تاريخي إعلامي هزيل.
غياب الوطن وحضور الطائفة.
حضور الفتنة وغياب الرسالة.
اجترار الماضي وغياب المستقبل.
حضور الساسة وغياب المؤرخين.
فأية مئوية تاريخية قادمة؟"
على مشاغلي البحثية بتاريخ لبنان الحديث والمعاصر، والتي اسابق الزمن فيها على ابواب الثمانين من العمر، لم اشأ ان اغيب عن المناسبة المئوية لولادة لبنان الكبير، فتابعت سريعا البرامج الاعلامية للمناسبة، ونشرت انطباعي ، ووعدت ببعض الافكار والخواطر اللاحقة. واليوم، وبنفس النهج الموجز العاجل، احضر ببعض الملاحظات الرئيسة للفائدة، خيرا من الغياب التام.
1- سريعا اسجل غياب المساهمت الاسلامية غير المبررة عن المناسبة، بالمقابل قلّما استضافت المحطات الاعلامية المسيحية باحثين ومؤرخين مسلمين (عذرا لهذه اللغة في لبنان الطائفي) فلبنان الان كيان شراكة اسلامية – مسيحية قتله الانفصام من هنا والاستبطان من هناك، والاستئثار والاستهتار من هنا وهناك، والشروخ الى تفاقم حتى التدمير الذاتي او الخارجي، ومن يغيب عن الشراكة يفقد حقه بالصياغة الحاضرة والمستقبلية، ولن ينفع الندم. ومهما كانت الاعذار، استعلاءً او استنكافا؟ كـ : إنكار الكيان التاريخي؟ مرحلية الكيان على طريق التطور؟ غياب المفهوم وابهامه؟ قصور الدراسات؟ التردد الراجف في التعبير؟ طغيان المجاملات؟ حضور الباطنية وغياب الدينامية؟ الانتهازية بالقنص السياسي والاداري الفردي او الجماعي؟الخ. ان تقصير الحاضر بفِتْر يؤثر مستقبلا بمتْر وامتار. وسابقا قالت العامة: "اللي بيحضر على عنزتو بتخلف توم (توأم) ".
وماضيا (مثالا لا حصرا) غاب المسلمون عن وضع الدستور 1926، والمسيحيون عن انتخابات 1992، فدفعوا الاثمان مضاعفة؟ وفي الحالين استقوى المناكفون بالخارج او اعتمدوا على "القوة او العدد"، فكرسوا واقعا اعوجَ بسبل ملتوية؟
واليوم ينشغل اللبنانيون بشعار "حياد" الراعي "الناشط" ؟ وبغياب السجال مع الراي الآخر، يسجل الحياد على"الحياد"حضورا طاغيا مجانيا على الساحة؟ مخالفا للواقع (برايي)، فيبقى المخطيء على غيّه والمنكر على تقيته، ولا ندري متى واين سيكون الانفجار القادم؟
2- وليس ابأس على التاريخ من تسليمه لغير اهله، او الخفة والاستلشاق في تناوله بقلة مسؤولية، فهو علْم الوقائع التاريخية المدققة المحققة والموثقة، لا تداخِلها تخمينات وانشائيات ولا شعوريات واحاسيس ولا مجرد ملء فراغات؟ مثال: في هذه المناسبة، جعَل شريط وثائقي تلفزيوني وضْع الدستور اللبناني في 23 تموز 1923 بدل 23 ايار 1926؟ حتى الضيف الحاضر سها عن تصويبها؟ هذه خطيئة اقترفت لا خطأ او سهو ، وتزوير وتحريف عفواً او عمداً سيان؟
3-  ومثل ذلك خطيئة الرئيس الفخري لاحدى الجامعات الاكليركية في لبنان، منذ شهر، جعل الوفد اللبناني الاول الى مؤتمر الصلح في باريس 1919، برئاسة اميل اده بدلا من داود عمون؟؟ بداية ظننتها هفوة عابرة، حتى كررها عدة مرات؟؟ فهل نقول ليس على العميد حرج؟
4- وبالعودة الى المئوية الوطنية التاريخية للبنان الكبير، فاقل ما يقال فيها غياب المؤرخين الاختصاصيين عن المناسبة ودراستها واستيعابها بعمق ورؤية؟ صحيح ان الثقافات المعاصرة متداخلة، غير ان التداخل لا يغني عن الاختصاص؛ فاسجل اقتصار مساهمة المؤرخ القدير الموثق الموثوق د. انطوان حكيّم على 40 دقيقة، لافساح المجال الفائض لمختصين في الادب العربي او العلوم الانسانية والادارية او المحللين السياسيين. وماذا كانت النتيجة؟ قدّم د. حكيم عرضا تاريخيا متماسكا اضاء على مقدمات وظروف اعلان لبنان الكبير، لكن العجلة والاستعجال والحاح الدقائق والثواني على المؤرخ، اوقعته ، سهواً، في ارباكات وهفوات لا يمكن تصورها ولا اكتشافها او استدراكها اعلاميا على الفور؛ والآفة الكبرى ان السامع والمشاهد العادي ياخذ هذه الهفوات على انها وقائع موثوقة. فيسيء للمؤرخ والتاريخ اللبناني معا. لذا فإني استدرك متطوعا لتصويب ما سقط علمياً،  حفظا لحق الصداقة مع المؤرخ الحكيّم، وقياماً بالمسؤولية والامانة الموضوعية للتاريخ. فأقول: ان الوفد اللبناني الثاني الى مؤتمر الصلح في باريس كان برئاسة البطريرك الحويك، بعد استفتاء لجنة كينغ – كراين، في 15 تموز 1919 استدراكا لسلبيات تقريرها في مؤتمر الصلح على مصير الطموح اللبناني. فجاء هذا الوفد عند المؤرخ انطوان الحكيّم مرتبكا من حيث التاريخ والموجبات، فجعله، سهوا، بعد 6/1/1920  بدلا من 15 تموز 1919. والواقع ان الوفد اللبناني الثالث هو الذي كان بعد 6/1/1920 برئاسة المطران عبدالله خوري، وكانت موجباته: من جهة تدارك مضاعفات الهجوم المقاوم العربي – العاملي على الجيش الفرنسي في مرجعيون واحتلالها لأيام؛ ومن جهة تخوّفاً مما اشيع عن اتفاق فيصل كليمنصو بقبول الاول الانتداب الفرنسي على سورية كلها بقيادته، مقابل استقلال ذاتي، فقط، لمتصرفية جبل لبنان.
5- وهنا اصوّب بعض الانطباعات السياسية عن موقف كامل الاسعد وجبل عامل مع الوفد اللبناني الثالث… فبعد معارك 6/1/1920 اعلاه، تعرض جبل عامل لاجتياح تاديبي فرنسي نزح من جرائه الاسعد الى دمشق، واحرقت داره في الطيبة، واستنفر جبل عامل لاستعادة زعيمه ولو بشيء من الاستكانة والليونة السياسية، وهكذا كان، وعاد الاسعد الى بيروت بصحبة الامام عبد الحسين شرف الدين، واذعن الاعيان العامليون لقبول الانضمام الى لبنان؛ وسريعا طلب غورو من الاسعد مرافقة الوفد العاملي الثالث برئاسة المطران عبدالله خوري الى باريس لمتابعة المطلب اللبناني، ولكن الاسعد اعتذر (والاغلب تهرّبا) بحجة رعاية تنظيم العرائض العاملية بالانضمام الى لبنان. واستعاض عن مرافقته بتفويض للمطران عبدالله خوري، هذا نصه: " قد وكلت باسم طائفتي سيادة المطران عبدالله خوري لدى مؤتمر الصلح، لكي يتابع الطلب والالتماس بربط انحاء الجبل المذكور (جبل عامل) في لبنان الكبير، والاشتراك بكافة امتيازاته المخصوصة تحت حماية فرنسا، ممثلا ايانا بكافة المراجعات المطلوبة".
انا ارجّح التهرب لا القبول الصريح تبعا للظروف المتقلبة، لأن الاسعد والعامليين كانوا قد طلبوا سابقا في الاستفتاء الدولي 10 تموز 1919 الانضمام الى سوريا، وعادوا في مؤتمر الحجير 24 نيسان 1920 لطلب الانضمام الى ملَكية سوريا بزعامة الامير – الملك فيصل؟ وبينهما كان هذا الانقلاب السياسي المفاجئ
6- وعودة الى الهفوات السريعة للمؤرخ الحكيّم، فهو جعل مؤتمر سان ريمو (24 نيسان 1920) التجديدي لمعاهدة سايكس بيكو، بعد معركة ميسلون 24 تموز 1920…وهذه هفوة بيّّنة؟…. ومن ناحية اخرى لم يشأ المؤرخ الحكيم التهرّب من سجالات الحاضر، فاعلَن من خارج السياق، بصراحة وجرأة، تاييده للدولة المدنية في لبنان؛ ومن ثم اضاف اعتباره شعار "الحياد الناشط" البطريركي "مخاضا شديدا في ازمة، ربما يكون مخرجا للبنان" ؟ ربما؟
7- وبالمناسبة اسجل للدكتور ادونيس عكرة في مداخلة اخرى، رؤية عميقة قادحة بجرأتها، عندما يقول: اخطأ المسيحيون بعدم الاقرار بعروبة لبنان، وهم عرب من الجزيرة العربية (تغلب والغساسنة والمناذرة ….) قبل المسيحية والاسلام (كما كان يقول الامير فيصل). وهذا سجال اندلع زمن الانتداب الفرنسي، بين جريدة الاحرار (جبران تويني الجد) وجريدة الاوريان 1929. ان احتفاظ المسيحيين بديانتهم لا يتناقض مع عروبتهم، وكان ممكنا ملاقاتهم بمتنوري العروبيين، مهما استشاط  المسلمون في تفسيرهم؟فإن اقربهم للمسلمين"من قالوا إنا نصارى" (صدق الله العظيم). وبرأيي ان هذا التسليم العروبي للبنان قد يحل معظم  القضية اللبنانية وبأسهل الامور. واذكّر بان العرب كانوا قد حيدوا طواعية وظرفيا لبنان من الصراع العربي الصهيوني حتى 1967، وكان لبنان عامل اصلاح بين خلافات العرب، الى ان انقلبت الامور لاحقا، ثم انفلتت من عقالها، وحمل الجنوب اللبناني البائس وزْرها منفردا، وهنِيء الاخرون بتهتكهم. فكان الاحتلال الصهيوني والمقاومة والتحرير، ويرى الاخرون اليوم اذيتهم في سلاح المقاومة؟ربما؟! لكن هذا الحِمْل من ذاك التخفّف؟ فهل تذكرون؟
ايها اللبنانيون! من الآن وصاعداً، اعتبروا وصوّبوا ! عودوا الى وطنيتكم طوْعا، لا تبحثوا عن حل افرادي او فئوي للبنان فتدمروه عاجلا ام آجلا؟والايام تشهد؟
تقول الوطنية، ويقول الامام الصدر: "لا يمكن ان يتعافى لبنان وجنوبه يألم"؟
*الحلقة المقبلة : تخرّصات د. ليلى المر "نعمة اللبنانية بين الواقع والخيال؟؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى