سياسةمحليات لبنانية

ليس من جديد.. غطيني يا..

د.حيان حيدر
وُلِدنا ونشأنا وتعلّمنا وتمرّسنا ودرسنا التاريخ وتعرّفنا على وتعرّضنا لطبائع البشر في العالم وفي المنطقة وفي تلك الأرض المقدّسة التي أسميناها لبنان.  وتاريخ البشرية مليء بالمستحيلات والتناقضات والخلافات والإختلافات، من حروب وقتل ودمار، إلى سحل وسحق، إنتهاءً بشعارات وشعر يقول بالتسامح والحبّ وجمال الكون والدنيا والخلق والإنسان و.. في قبول الآخر.
لا جديد.
وانتقلت البشرية من الحَجَريّ إلى البرونْزيّ إلى حديث العصر منذ قرنين (التاريخ ذو القرنين وليس غيره) الموثّق في "إستشراقات" الوافدين الإفرنج إلى "الجبل"، ليتبعها "إستغرابات" الرافدين إلى ما كان قد أصبح "جَبَلين"، فإلى "الودْيان والسهول" التي تُفرّق بينها وبيننا، فأصبح لبنان "مَجْبَلًا" لحوار "الحضارات" وللسياسة خاصة وللطائفية حتمًا ودائمًا، الطائفية لازمة كلّ مشكل حيّ.
لا جديد.
وانقلب الدهر مع كرور قرن آخرن إنقلب إلى لبنان الكبير (1920) وإستثنائيّته وحساسية وضعه "الفريد" وميثاقية صيغته أو صيغته الميثاقية، لا فرق، وكلّها عبارات يبرع الأديب في لملمتها وتصفيفها في جُمَل مُنَمّقة تمتشق الموقف سيفًا لكلّ الأطراف، بمعنى المسافات التي تبعدها عن بعضها البعض وأيضًا بمعنى "طرافة" "حواراتهم" التي باتت مضحكة ممِلّة.  وبزغ دستور "الذو الوجه" (1926)، نستذكره كما يذكر الولهان الحبيب الأول، ومن ثمّ تمّ الإحصاء (1932) الذي بقي مبتورًا، فبيان الإستقلال (1943) وبعده (1946) الجلاء، ما أجملها كلمة لوصف فراق الحبيب، الذي لم يغادر يومًا.  وحلّ "الإزدهار"، ما أحلاه، فالحروب (مع سؤالنا: إذا كان هناك إزدهار فمِنْ أجل ماذا كانت الحروب؟ أم قد يفسّر هذا رواج خياريْ "هانوي" و "هونغ كونغ"!)، وانتهت هذه المرحلة بدستور ال"بصورة إستثنائية ولمرّة واحدة" (1990)، والحروب التي دائمًا ما تقع على أشكالها، والإنهيارات…  وسطعت صرخة تشرين 2019 التي علت في الساحات وفي الحقول، في العقول وفي الميول (والمال طبعًا) والتي أطاحت، بحقّ ومتأخّرة جدًّا، بكلّ أدوات وأبوات ما سبق ذكره.
وهذا جديد.. نوعًا ما!
ومرّ عام على هذا الجديد، وباءٌ ومزيدٌ من الإنهيارات والتفجيرات والتدخّلات والمصائب و، دائمًا، نكد وحقد ومُناكفات بين ومع وعند ولدى الجميع، تمّ خلاله إختراع الخوف بالتهويل، ونشر إنطباع أنّ "لبنان محرومٌ من اليوم التالي"، وخلال ذلك قال واحدهم بالآخر، القاتل بالمقتول وبالعكس، قال ما لم يقُلْهُ جرير بالفرزدق.  ثمّ ؟..  ثمّ في عيد "الصرخة" عاد الذين أُطيح بهم، همُ ذاتهم، من دون أيّ تغيير، من دون  أيّ تعديل أو تلوين ولو بسيط، عادوا "كلّهم يعني كلّهم"، بكلّ عين وقحة، عاد كلّ " "الأوادم" الذين سرقوا أهل المدينة وقد ناموا ملأ جفونهم" خلال ذلك العام.  عادوا لبناء "لبنان الجديد" بحجارة الهيكل المنهار، عادوا في تشرين 2020 "لإنقاذ" الذين سبق لهم أن قتلوهم بأفعالهم.  عادوا بأكاذيب قديمة في زيّ وعود جديدة، ببرنامجهم الفذّ، الخلّاق، المُبدِع الذي يقول:                                                                                        
        "ومخافة من البقاء في السيّء من الأحوال، فما علينا إلّا الذهاب إلى الوضع الأسوأ".
لا جديد، حتى هنا، خَرْجْكُم يا لبنانيّين!
سبق وكتب أدباء وشعراء، عالميّين وعرب ولبنانيّين، الكثير الكثير في وصف هكذا أوضاع في العالم وفي البشر وحتمًا في اللبنانيّين، أمّا أنا فاخترت لكم ممّا، ومنذ ستين عامًا، وصفهم به الشاعر سليم حيدر، بعد إختبار سياسي وإجتماعي مرير، حين قال:
"  نحن  في   لبنان  أشكالٌ  ألوانٌ  عديدَه                                                                                وشعوبٌ   ودروبٌ    وتواريخٌ    مجيدَه                                                                                        نحن في رقعة أرضٍ أصغر الأوطان حجمًا                                                                          والمسافات التي  تفصلنا جدُّ  بعيدَه ! " (*)
وهل هذا جديد ؟
بيروت، في 17 تشرين الأول 2020م.                                       حيّان سليم حيدر.
سنة حلوة يا تشرين.                                           هذه ليست دعوة للتيْئيس بل تحذير من التَتْييس.

(*) سليم حيدر – ديوان "إشراق" – صفحة 103 – شركة المطبوعات للنشر والتوزيع ش.م.ل. –  2016.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى