سياسةمحليات لبنانية

لقمان سليم بين التعاطف والاستغلال

 

حيدر شومان-خاص الحوار نيوز
لا يمكن وصف مقتل الناشط لقمان سليم إلا بأنه جريمة بشعة من الجرائم التي اعتادها لبنان منذ عقود والتي تظهر مدى التفلّت الذي يعيشه هذا البلد الصغير في معظم مناطقه. وبغض النظر عن الموقف من شخصية المغدور ومواقفه العامة التي كثيراً ما شجبناها واتهمنا صاحبها، وتصريحاته التي كانت تتسم بالغلو تجاه الحكم والمقاومة وما شابه، فإن مرتكب الفعل ومن يمثّله مجرم بامتياز، ولا مبرر يقال للدفاع عن هذه الجريمة.
وما يميز لقمان سليم في هذا المقام هو أنه شيعي يعيش في الضاحية الجنوبية من بيروت، المعقل الأساس والقوي للحزب وللبيئة الشعبية العارمة الحاضنة له، التي كثيراً ما استفزّتها آراء سليم المعادية للمقاومة وما تمثّله في الوجدان الشيعي بالدرجة الأولى. هذا التحدي من سليم للبيئة ليس وليد أيام وشهور بل سنوات طوال من خلال منابر مستفزة أيضاً وهي بعض شاشات عربية (وأخرى لبنانية) تمثل قمة العداء للحزب وتوجهاته وحلفائه.
والمتتبع لردود فعل الجريمة أمس يلحظ مدى تطرّف تلك الشاشات من خلال توجيه الاتهام المباشر للحزب وربط الجريمة بأحداث أليمة أخرى من الماضي وتحميلها للحزب كتفجير المرفأ والجرائم التي ارتكبت ابتداءً من استشهاد الرئيس رفيق الحريري وانتهاء بالحدث الأخير.    
وككل حدث في لبنان تبرز الآراء المتناقضة من كلا الضفتين اللبنانيتين لإظهار المواقف التي تؤكد صوابية توجهها وضلال الضفة الأخرى، ولا يرعوي سقوط الدماء بعض المواقف الرخيصة فإن استغلال القتل والمآسي لأسباب سياسية طالما كان ديدن بعض الشخصيات وأسلوبها الوقح في أكثر من مناسبة أليمة عاشها اللبنانيون.
والغريب في الأمر ذلك التجييش الممنهج الذي اعتمدته تلك الشاشات واعتبار تلك الجريمة حدث الموسم (ولا نقلل من شأنها أبداً) وأولى أولوياتها وزلزالاً أسكت دماره كل المصائب والويلات التي تعيشها بعض بلادنا العربية.
لا نريد التبرئة أو الاتهام خصوصاً وأنه لم يمضِ على وقوع الجريمة سوى ساعات، لكن من الحقارة والوقاحة والإجرام تحميل الجرم ضد من يسيطر على مكان الواقعة، إذ يمكن لهذا السبب أن يكون وارداً للتبرئة وأن المتورّط يستخدم هذا الأمر لتوريط الحزب.
إن هذه الجريمة أعادت للأذهان بشاعة الماضي وما وقع في طياته من اغتيالات ظنّ اللبنانيون أنها مرحلة وانتهت، كما أكدت مجدداً مدى العداء (ولا نقول الخصومة) الذي تضمره الأحزاب اللبنانية بعضها لبعض، خصوصاً عندما تتاح الفرص الاستغلالية لاتهام المقاومة في أي حدث واقع لضربها مجدداً وإضعاف ساحتها الشعبية، وهذا ما لا نراه يتحقق لأسباب كثيرة منها ثقة الناس بالمقاومة وحلفائها، وعدم ثقتهم بالضفة الأخرى المقابلة.
وفي الختام، فإنه يُراد للبنانيين إحياء فتن الماضي واستغلال الدم المسفوح، بعد أن حُرموا من الغذاء والدواء والتعليم، وبعد أن نُهبت أموالهم وجاع أطفالهم ما يقوّي الاعتقاد أكثر فأكثر أن المرتكب لكل مآسي اللبنانيين واحد، والمسؤول عن الاغتيالات واحد، ومن يريد إحداث التغييرات في الكيان اللبناني وبوصلته وتوجهاته وسيرورته واحد، ولديه في كل يوم وسيلة جديدة وأسلوب مغاير، ولكن وللأسف، فإن أكثر اللبنانيين يحترقون في أتونه مختارين، ويسيرون نحو الهاوية مفاخرين، فهل تسلم الجرة في كل مرة أم أن للآتي مجدداً رأياً آخر؟    

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى