سياسةمحليات لبنانية

لبنان يعالج الكارثة بين الإطْعام والصيد

 

حيّان سليم حيدر

كنت قد سطّرت أولى أفكاري لهذه المقالة على أن، وكما عادتي، أتركها لتتطوّر، لتتخمّر، "تتفاقم"، فتكتمل إلى مبتغاي.  وفجأة.. حدثت كارثة الرابع من آب التي لم ولن تتّسع مخيّلتي نا يكفي للتعبير عن حزني وغضبي في وصف ما آلت إليه أمورنا من درك أسفل.  وإزاء هذا الحدث الجَلَل، واحترامًا للمشاعر والمعاناة الوطنية العارمة والشاملة، ومن منطلق المسؤولية الأخلاقية، ارتأيت أن أتجاهل متابعة المقال إلى نهاياته خاصّة وأن أسلوبي عادةً ما يكون ساخرًا في الوصف وفي ربط الأمور ببعضها.  فقلت لنفسي هذا ليس الوقت للمزاح ولا للتنكيت ونحن في حداد عام ولا حتى أنّه الوقت للسخرية في خضمّ فاجعة البلاد الكبرى.  وبعد… ولكن مع ذلك، ويمكن بسبب ذلك، مع تصرّف من نصّبوا أنفسهم مسؤولين عنًا وعن البلاد، وأقول هنا "جُلّهُمْ يعني جُلّهّم"، وهم غير آبهين، ولا شاعرين حتى، لا بما "حققت" أيْمانُهم خلال ثلاثة عقود، .. ونيف، من الحكم الظالم الغاشم الفاسد من آثام، ولا بما يصرخ به الناس ،وبحقّ، في وجههم منذ السابع عشر من تشرين لبنان، ولا حتمًا بهول أحدث مأساة المواطنين في هذا البلد العزيز، رأيت ليس فقط أن أعود إلى التعبير عمّا تكتنفه النفوس، وبأيّ أسلوب يراه الكاتب وأعتذر عنه سلفًا، بل أنّه أصبح واجبًا علينا نُحاسَبْ على عدم فعله.
ولذلك: إليكم ما كان في القَبْل مُكَمَّلًا بما بات يُعَبِّر عن حالة البَعْد.
من وجع إفقار اللبنانيّين، نشأت الضرورة إلى دعم، عادة ما يكون مرحليًّا، للأُسَر الأكثر تضرّرًا وحاجةً، فتوالت الدراسات والتحليلات كما والإتّهامات وما يرافقها من رمي اللوم على هذا الفريق، أو ذاك النهج، أو تلك البرامج أو، ودائمًا، المستهلِك المستهلَك، هذه الحلقة الضعيفة أبدًا !..  ومن البديهي أن تجنح الأفكار والحلول إلى المطالبة بتغيير النمط الريعي في الإقتصاد لاستبداله ببرامج إنتاجية إلخ… الأمر الذي أشعل الذاكرة بالحلول الأبدية ومنها تلك القصة التاريخية المعروفة.
يُرْوى عن القائد الإستثنائي الفذّ غاندي أنّه، وفي سياق معالجته للفقر في بلاده الرازحة تحت نير الإستعمار الذي لم تكن الشمس لتغيب يومًا عن إرتكاباته، يُقال أنّه أوصى، فيما اعتمده من وسائل للإنتقال بشعبه من حالة العَوَز إلى استقرار الإكتفاء الذاتي، أن يتم تعليم الناس صيد السمك بدلًا من إعطائهم سمكة سدًّا لجوع يتكرّر كلّ يوم، لا محال.  أمّا الفلسفة القائمة على فائدة ذلك المقترح فلا تحتاج إلى شهود لتثبّتها.                                                                                                                   ويقال أنّ لبنان كان، قبل الإنفجار الكارثة، يحاول إيجاد حلول لمشكلة مشابهة.
لبنان في مأزق.. والحلّ؟
اللبناني المنكوب يحتاج عاجلًا إلى سمكة تسدّ جوعه.. وفورًا ومعها، فهو بحاجة إلى دروس في صيد السمك ومعها، إلى تحديد مواقع وجود السمك ومعها، إلى إمتيازات تحتكر مواقع صيد السمك ومعها، إلى مشاريع أحواض تربية الأسماك ومعها، إلى دستور وقوانين ومراسيم وإجراءات ومسؤولين وموظفين و(دائمًا) مياومين ومنتفعين ومعها، إلى آلية تعيين أعضاء المجلس الأعلى للثروة السمكية ومعها، ومن ثمّ تعيين أعضاء الهيئة الناظمة للتسميك ومعها، إلى إنشاء مجلس البحوث الصيّادية اللبنانية الشهيرة بنكهاتها "التعددية" على أذواق الطوائف، وأيضًا سيشرف على مناهج مدارس الصنارة ومعاهد الشبكة ومعسكرات التدريب على الصيد بالديناميت، فإلى تحديد أنواع الأسماك وأحجامها وأوزانها التي تتضمّنها الحصّة الغذائية المنتظر تحديدها ومعها، إلى دروع واقية من أَكَلَة السمك وإلى مبيدات مُنَفّرة لسماسرة "الإبحار" ومعها، ولأنّ "السمك أمّ الإختراع" يحتدم الجدل فيما بين إستجلاب سمك "السوشي" (الأصلي) من اليابان أو إعتماد "أصابيع البُبّو يا سمك" المجلّد منه والقَيْد التجليد…؟  لأن الأسماك على أشكالها تَهْرَعُ  إلى أن معها، وصل الجدل إلى تحديد جنس "السمائكة" فانقسموا إلى أنصار السمك البحري في جهة وجماعة النهري في الجهة المقابلة إلى أن تقدم أحدهم بإقتراح إستجلاب "بواخر أحواض سمك" توضع في عرض البحر و"تولّد" الأسماك غبّ الطلب…ومعها، فإلى العودة إلى السجال الأساسي : هل نأتي بالسمك من الشرق على طريق الحرير أو نتركه يسبح إلينا من "متوسّط" "حزام" الغرب، وكلّ خيار له "أصحابه" و"أربابه" و"محوره" ؟  وبالنهاية لمن تكون الكلمة: لنمرود في الجنوب أم لنبتون في الشمال علمًا أنّ الكلّ سيخضع، في النهاية، ل"حيتان" مال، لا محال؟ ومعها، ولتتويج كلّ هذا العُقم في إدارة أمورهم نشب خلاف على تنظيم مهرجان لإطلاق "تسميك" الناس، وهل عليه أن يتضمّن أغنية "يا سمك بُنّي" لما توحيه من عنصرية في اللون المُغَنّى … فألْغيَ (المهرجان وربما السمك) !.. وماذا حصل في النهاية؟ خلّيكم على الإطْعام، وبلا صيْد بلا..                                                                                              ومعها، هل أنا نسيت شيئًا من مرامي تلك الحكمة يا غاندي ؟؟
ولمن يظن أنّ الخيار بين الإِطْعام أو الصيد هو خيار مُعقّد، ولمن يرى مبالغة فيما ذهب إليه خيالي في وصف الأمور أقترح أن يحاولوا الإتفاق على أحد الأمور الطوارئية الملحة التالية: الإتفاق على تكليف شركة أو أكثر للتدقيق المالي المحاسبي الجنائزي (إبتكار خليط من جزائي وجنائي)، أو تعيين القاضي في المجلس العدلي في موضوع بضخامة وفجاعة كارثة الرابع من آب، أو إلى أبسط تعيين حارس أحراج في آخر زاروب في دسكرة ما، وطبعًا إنسى موضوع كشف المسؤوليات المتتالية والمتشابكة عن كارثة المرفا، أو المطار أو الكهرباء أو حتى النفايات.  وحذار أن تجرّبوا الإتفاق على قانون إنتخاب أو حتى تفسير الميثاقية، هذه المشكلة لكلّ حلّ.
حدث هذا كلّه قبل توافد المساعدات الدولية على بوارج عسكرية، لا نعلم لماذا عسكرية، أو نعلم، أما بعد ذلك ؟  فربّما إلى مقال آخر.
يثبت في كلّ يوم، مع كلّ فاجعة، أنّ الكوارث في لبنان هي مناسبة لا بل وقود لإفراغ حقد الواحد على الآخر ليس إلّا، أيّ واحد على أيّ آخر!..
لبنان في مأزق؟ لا… اللبنانيون خَرْجْهم كلّ هذا وذاك !.. وبعد كلّ إنتخابات … سمك رح تاكلوا.

 

*ملاحظة: ليست هذه المقالة وكلّ سابقاتها للشكوى فقط ومحبّة بالنقّ، بل دائمًا ما نشير إلى الخطأ والغلط                   كي يصبح الصحّ واضحًا .. لا يحتاج إلى شهود عينُها شاهدة.
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى