سياسةمحليات لبنانية

لبنان… “من مُرَوْكِب إلى مُكَرْبِج”

من سلالة (*) "البلد من مُرَوْكِب إلى مُكَرْبِج"-1

حيّان سليم حيدر

كان لبنان المستحيل، وكان معه الجبل والساحل والداخل وطبعًا ودائمًا… الخارج.                       

   ثمّ كان الجبلان في ما قام ولم يَقُم فيه وفيهما، فالمتصرّفية التي تصرّفت بالبشر والحجر على هوى المُتَصرِّف، فالكبير فالمُنْتَدَب وإلى… المستقلّ.  وكان مع هذا كلّه: الدستور.  والدستور مبني على قاعدة الصيغة، الحِلّة التي لم تحلو لأحد، والتي تمّ استبدالها بميثاق لم يثق فيه أحد.  وبين بين، أي منذ قرنين، ومن هنا جاءت تسمية “لبنان ذو القرنين”، كانت الخلافات من صغائرها التي نَمَت إلى كبائرها بفعل إنتفاضات وثورات لتمسي حروبًا عبثية، منها الأهلي ومنها الإقليمي ومنها العالمي فالَكَوْني.

وهكذا الوضع ما زال.  ويتفاقم.  ويتعثّر.

كان الحاكم، أيّ حاكم، من أكبره الإستعماري الخارجي وحتى أصغره المذهبي الداخلي، كان يحتكم إلى منطق ما، عدالة ما، تسوية ما، سمّها الدستور، القانون، الصيغة، الميثاق، العرف، الصلح العشائري أو ما شئت، ومن خلال ذلك كانت تُوضع الحلول وتُنفّذ.  هذا هو الوصف لحلّ مشكلة، هكذا كان أمر ما “مُرَوْكِب” في محرّك العمل العام.

ويتنامى الخلاف بين المتصارعين على “السيادة” حتى يتراجعوا وهُمْ على حافة “ما لا تُحْمَد عقباه” من الأمور إلى حيث يبقى كلّ زعيم ديكًا على مقبرته، باستبدال إحتلال بآخر، وصاية بأخرى، محور بآخر، “مجموعة أصدقاء” بأخرى وهكذا دواليك.  وضاع “الزعماء” في مَهْمَهٍ إفتراضي لا حدود له… لا مبرّر أساسًا لوجوده !

وبهذا إنفصم التشريعي عن التنفيذي، وكلاهما هُمْ هُمْ، أي الجهات السياسية الطائفيىة العشائرية ذاتها، إنقسموا إلى “مفتي” في الدستور في الجهة التشريعية، وإلى “مُفَذْلِك” في الموازنة في الجهة التنفيذية واللتين يتشاركان، نكرّر، فيها.  وتفاقمت الأمور حتى أصبحت الموازنة، وخِلافًا طبعًا للقوانين المرعية، أصبحت أداةً للتشريع من طريق ما بات يُعْرَف بفرسان الموازنة.  والبرلمان، وأيضًا خلافًا لمفهوم فصل السلطات والأعراف، أصبح أداةً لتنفيذ المخالفات الدستورية وغيرها.  وقد حصرنا تعدّد المعضلات بهذا المثل الماثل في حياتنا كلّ يوم.  وتتدحرج الأمثال، فلا تُحْصى ولا مَن يريد عدّها أصلًا.

وانسحب، وهو تعبير لغوي أدبي ليته يصبح  واقعًا، إنسحب الأمر على كلّ مندرجات حياة اللبنانيين.  فصار كلّ منهم يُفْتي بما يراه صحّ ويتفذلك بما يريده خطأ، في أيّ شيء وفي كلّ شيء.

حتى أنّ قيل، وهذا ليس نص دستوري أبدًا وقطعًا، قيل أنّ دستور الطائف، الذي عليه أن يبقى طائفًا طيفًا طائفيًّا، آخر نتاج “فكري”، جَهْبَذ فريد من نوعه في القانون الدستوري في العالم، قيل أن، بموجبه، أصبح الوزير هو سيّد نفسه.  وللتذكير، في البدء كان المجلس (النيابي) سيّد نفسه، هكذا قيل، وانسحبت (مجدّدًا؟) على ذلك مؤسّسات ومواقع دستورية متمثّلة بهذا أو ذاك من المرجعيات لتُصْبح كلّها سيّدة نفسها.

والسيّد نفسه يعني في لبنان أنّه: “أعرف حالك مع مين عمْ تحكي” أو “أنا ما حدا إلو معي (أو عليّ، أو بِعَلّمني)” وما شاكل من “مفاهيم” عدم الفهم… ولكن عن فهم.

وبهذا.  وبالتالي.  لم يعد من الممكن أن يسلك عمل ما، أمر ما، معاملة ما، حياة ما، مسلكها الطبيعي إلى التنفيذ.  فكَرْبَج النظام.  والنظام باتت كلمة غير موفّقة في هذا السياق، كَرْبَج بكامله.  حتى أنّ أيّ عملية أو معاملة، من صغيرتها في حياة الفرد إلى كبيرتها في تسيير مؤسّسات الناس لم تعد تسلك طريقها وقد “ضاقت بها السبل”.

وبالعودة إلى العنوان.  كانت زوجتي، ومنذ عقدين من الزمن، تسمعني في أحاديثي السياسية والإجتماعية وفيما خصّ إدارة شؤون الدولة، تسمعني أقول للمشاركين في النقاش أن البلد مُرَوْكِب والمرحلة الطبيعية الآتية هي أن يُكَرْبِج.  وعلى ندرة إهتمام النساء بأمور تشغيل وتعطيل وتصليح محرّكات السيارات، كانت تسألني عن معنى مُرَوْكِب ومُكَرْبِج.  فأشرح لها أن الأول هو عطل يطرأ على قطعة معينة في محرّك السيارة ممّا يستدعي فكّها وتصليحها أو إستبدالها وبعدها إعادتها إلى وظيفتها بعد إضافة بعض “التسهيلات” مثال الزيوت أو ما شابه ويعاد تشغيل المحرّك وهكذا دواليك كلّما تعطّل العمل.  أمّا المُكَرْبِج، فهذه مرحلة متقدمة نهائية تتداخل فيها كلّ الأعطال (والعاطلين) في كلّ أجزاء المحرّك فتعطّل بها بعضها البعض الآخر وتقف عثرة في وجه التصليح، ومع مرور الزمن يعتمرها الصدأ لتصبح كتلة واحدة متماسكة التعطيل، كما في حال حكام البلد، لا فكاك للعطالة منها، ولا للعاطلين المُعطلين طبعًا، وبالنهاية لا حلّ ولا أمل بإصلاحها، فالحلّ المتبقّي الوحيد، وهو ليس الأفضل، يكون بإزالة الكلّ واستبداله بكلّ جديد يُؤْمَل أن يصلح للعمل.

هل وضحت الصورة ؟؟

وعلى السؤال: ما أسم البلدة اللبنانية التي قد تشبه أو توصف وضع لبنان المُكَرْبَج؟ يأتيك الجواب: دير قانون النهر، فلا فيها دير، ولا قانون، ولا نهر. (هذا مع تسجيل تقديرنا الصادق لصمود ونضال أهل البلدة التي يرد ذكرها لسخرية الوضع ليس إلّا).

بيروت، في 11 آذار 2021م.                                              حيّان سليم حيدر

باحث … عن فسحة من الأمل… ما زال، ولا يعثر عليها.

————————- 
 (*) هذا ملحق لمقالتي السابقة التي صدرت بعنوان “وحدة المقاييس في خدمة إزدواجية المعايير” في 16 شباط 2021م. من ضمن سلالة “البلد من مُرَوْكِب إلى مُكَرْبِج”-2، وكنت قد وعدت القارىء بإلحاقها بالجزء 1 (هذا) الذي يشرح “التحوّل” الذي حصل من سلسلة إلى سلالة هذه.
(*) سبق وصدرت مقالاتي تحت “مظلّة” عنوان سلسلة.  غير أنّ، وعلى أثر تحوّل الوباء العالمي المُستجدّ، ومعه وباء لبنان المُستبدّ، إلى سلالة ومنه إلى سلالات يتوالد فيها العصيان على الحلّ، فاقتضى التحوّل … تماشيًا مع تطوّر الزمن.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى