رأي

لبنان بين الترف والانهيار..والحاجة إلى صحوة وطنية (مريانا أمين)

 

مريانا أمين – الحوارنيوز – باريس

 

قال  victor Hugo :  ليس هناك قوة أعظم من فكرة حان وقتها.” 

تمرّ على الأمم لحظات فاصلة تكشف معادن شعوبها. لحظات لا تُقاس فيها الثروة بحجم الأموال، ولا القوة بعدد الشعارات، بل بمقدار التضامن الوطني والاستعداد للتضحية من أجل المصلحة العامة. ولبنان، اليوم، يقف أمام واحدة من تلك اللحظات التاريخية التي تفرض على أبنائه أن يسألوا أنفسهم: إلى أين نمضي؟ وهل ما زلنا شعبًا واحدًا يحمل همًّا واحدًا ومستقبلًا واحدًا؟

 

في أصعب المراحل التي عرفها لبنان منذ عقود، تتجلّى صورة متناقضة ومؤلمة. ففي بلاد الاغتراب، يقف آلاف اللبنانيين وهم يشاهدون وطنهم يئن تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. يبكون على بلدهم، ويعملون بصمت، ويرسلون ما استطاعوا من دعم إلى أهلهم وعائلاتهم، ويحملون في قلوبهم حلم العودة إلى وطن مستقر ومزدهر.

 

وفي المقابل، يشهد الداخل اللبناني مشاهد أخرى لا تقل إثارة للتساؤل. حفلات فاخرة، وأعراس تُنفق عليها مبالغ طائلة، ومظاهر بذخ توحي وكأن البلاد تعيش أزهى عصورها لا إحدى أصعب أزماتها. وليس المقصود هنا إدانة الفرح أو معاداة الحياة، فالفرح حق طبيعي للإنسان، بل التساؤل عن الفجوة المتزايدة بين واقع وطن ينهار تدريجيًا وبين سلوك يوحي أحيانًا بأن شيئًا لم يحدث.

 

لقد أدرك الفيلسوف الفرنسي Montesquieu منذ قرون أن قوة الدولة لا تقوم فقط على مؤسساتها، بل على فضيلة مواطنيها وشعورهم بالمسؤولية تجاه المصلحة العامة. وعندما تتراجع هذه الروح، تبدأ الشقوق بالظهور في جدران المجتمع، مهما بدا قويًا من الخارج.

 

التاريخ يعلمنا أن الأمم لا تسقط دائمًا بفعل الغزوات أو الحروب. كثير من الحضارات العظيمة بدأت رحلة التراجع عندما فقدت بوصلتها المشتركة. ففي روما القديمة، حذّر الشاعر Juvenal من سياسة “الخبز والسيرك”، حيث أصبح الترفيه وسيلة لإبعاد الناس عن القضايا المصيرية التي كانت تهدد مستقبل الدولة.

 

وليس المقصود مقارنة لبنان بروما، بل التذكير بحقيقة إنسانية ثابتة: عندما ينشغل المجتمع بصراعاته الصغيرة ومصالحه الضيقة وينصرف عن التحديات الكبرى، يصبح أكثر هشاشة أمام الأزمات.

 

ولعلّ أحد أبرز أسباب المأزق اللبناني المزمن هو غياب الرؤية الوطنية الجامعة. فقد نشأت الاصطفافات السياسية والطائفية على أرضية الانقسام وعدم الاتفاق على مشروع وطني موحد. 

 

إن قوة أي وطن لا تكمن في تعدد أحزابه أو اختلاف الآراء داخله، فالتعددية مصدر غنى عندما تُدار بعقلانية، وإنما تكمن في وجود مساحة مشتركة يتفق فيها الجميع على الثوابت الوطنية الكبرى: حماية الأرض من كل اعتداء خارجي، حماية الدولة، احترام القانون، مكافحة الفساد، الحفاظ على السلم الأهلي، ووضع مصلحة الوطن والمواطن فوق أي اعتبار آخر، فكيف اذا كان تحت وطأة حرب همجية!

 

وقد قال المفكر الفرنسي Alexis de Tocqueville إن عظمة الأمم لا تُقاس فقط بمؤسساتها، بل بقدرة مواطنيها على العمل معًا من أجل هدف مشترك. وهذه هي القضية الجوهرية التي يواجهها لبنان اليوم. فالأزمة ليست اقتصادية فقط، وليست سياسية فقط، بل هي أيضًا أزمة ثقة بين أبناء الوطن الواحد.

 

ومع ذلك، فإن اليأس ليس خيارًا. فلبنان، رغم كل الجراح، ما زال يمتلك ثروة لا تقدر بثمن: شعبًا مبدعًا، وانتشارًا عالميًا ناجحًا، وطاقات شبابية هائلة، وتراثًا ثقافيًا وإنسانيًا جعل اسمه حاضرًا في العالم كله.

 

قال الأديب الفرنسي Albert Camus :  “في عمق الشتاء، تعلمت أخيرًا أن في داخلي صيفًا لا يُقهَر.” وربما تختصر هذه العبارة قصة لبنان نفسها. فكلما ظنّ البعض أن الأمل انتهى، أثبت اللبنانيون قدرتهم على النهوض من جديد.

 

إن الطريق إلى الخلاص لا يمر عبر مزيد من الانقسام، ولا عبر تبادل الاتهامات، ولا عبر الهروب من الواقع. بل يمر عبر استعادة الشعور بالمصير المشترك، والاقتناع بأن نجاح أي فئة لبنانية لا يكتمل إلا بنجاح الوطن كله.

 

قد تكون الأزمة طويلة، وقد يكون الإصلاح صعبًا، لكن تاريخ الأمم يثبت أن الشعوب التي تتوحد حول هدف وطني واضح تستطيع أن تحول المحنة إلى فرصة. ولبنان، الذي كان عبر القرون منارة للعلم والثقافة والانفتاح، قادر على أن يستعيد مكانته إذا اجتمع أبناؤه حول فكرة واحدة بسيطة وعظيمة في آن واحد: أن الوطن أكبر من الأحزاب، وأبقى من الخلافات، وأغلى من كل المصالح الآنية.

 

وعندما يعود اللبناني إلى رؤية أخيه اللبناني شريكًا في المستقبل لا خصمًا في السياسة، وعندما يصبح التضامن الوطني ثقافة يومية لا شعارًا موسميًا، عندها فقط يبدأ فجر النهوض الحقيقي، ويستعيد لبنان دوره ورسالته ومكانته التي يستحقها بين الأمم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى