سياسةمحليات لبنانية

لا عزاء للبناني


لا يستطيع اللبناني أن يجعل من أحلامه المعقولة واقعاً يعيشه في بلده، أياً كان انتماؤه أو إيمانه أو موقعه المختلف، وإنما يترك للهجرة باباً يفتح من خلاله الطريق نحو حياة يسودها الاستقرار والآمال طالما نجح في خطواته العملية في بلاد تقدّر نجاحه وإخلاصه وتحترمهما. فالروتين، وهو ما تعاني من تأثيره السلبي كل الشعوب، هو نعمة يفتقرها اللبناني ويتمناها بديلاً عن التوتر والكآبة وسلسلة الإحباطات التي تصاحب طريقه في كل السبل. فلا يقلقه عدوٌ في جواره يسعى لاستعباده وسرقة أرضه وخيراتها الطبيعية. ولا يثير حفيظته زعماء ارستقراطيون يستعبدونه وأهله ويسرقون باسمهم ويسعون في الأرض الفساد. ولا ترعبه إمكانية وقوع حرب في أي زمان أو مكان باسم الدين والمذهب والانتماء والمنطقة والزعيم المفدّى. ولا يشغل باله ارتفاع سعر الدولار ولقمة العيش لأولاده والطبابة والدواء والتعليم. ولا يشعر أن الكهرباء نعمة أطلت بعد طول انقطاع، والنفايات لها طريق مربح وليس عبئاً جديداً، وسهولة المواصلات والاتصالات وتوفير الماء ونقاوة الهواء و…
اللبناني يرجو الدولة لتحقيق مطالبه، وهي ليست سوى أبسط حقوق يجب أن ينالها، ويتسول الخدمات من المسؤول وهو ليس إلا موظفاً لديه ينال راتبه من جيبه، ويقبل رعونة الحياة وشظف العيش وتسلّط الأحزاب ورجالات الدولة ويرضى بالأمر الواقع قدراً لا بدّ منه.
لقد استطاع في 17 تشرين الأول أن يقول كلمته أخيراً ويثور ويلعن من أفسد البلاد وحكم طويلاً بالحديد والنار، وكان شعار الجموع واحداً تحت راية واحدة تهتف بمطالب واحدة. وأصبحت إمكانية العيش في لبنان طبيعية عادية كباقي شعوب الأرض. ولكن… هل يستطيع أن يسير في درب غريبة عن واقعه بعد أن طال به المكوث في سجن آمن ولو كان أسود مظلماً؟ هل يستطيع أن يتخلّص من قيد الزعيم الذي اعتاد ملمسه عشرات السنين؟ أفليس للحرية ثمن باهظ بينما نيل العبودية سهل وبلا أثمان؟ أوليس الفرار أسهل من خوض الصراعات القاتلة؟ لماذا الخوض في المجهول الغامض طالما أن الحاضر جلي واضح أمام الناظرين؟
ويبدو أن اللبناني سيعود مجدداً لما ألفه طوال عقود، يبارك للزعيم ورجل الدين والعصبية والحزبية والفئوية والطائفية، ويرضى بالتسول والتوسّل والخنوع لأصحاب نعمته ووجوده، أو يمكن أن يتخذ الهروب سبيلاً في الهجرة بعد أن سُدَّت في وجهه كل السبل، وسيأتي يوم الانتخابات الذي نودي به كيوم للخلاص، ليفوزوا "كلن" من جديد، فقد كان شعار الانتفاضة صحيحاً وواقعياً : "كلن يعني كلن"، ولا عزاء للبناني.      

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى