العالم العربيسياسة

كيف تنظر دمشق للغزو التركي:ذئاب تنهش بعضها..الروس نصحونا بالصبر الإيجابي..أردوغان سيخرج وينتهي الاحتلال كما انتهى غيره

  تذهب هذه الأيام الى دمشق وفي ذهنك سؤال واحد يضج في خاطر السوريين والعرب: ما هو تصور سوريا وتقديرها لما ستنتهي اليه الحرب التركية في شمال البلاد؟
تلمس فورا ان حالة الترقب هي السائدة رسميا وسياسيا وشعبيا.غير أن العديد من المسؤولين والسياسيين السوريين يتفقون على توصيف واستنتاج موحدين: " في شمال سوريا اليوم ذئاب تنهش بعضها ،ونحن ملتزمون النصيحة الروسية لنا ب"الصبر الايجابي"،وسيكون مصير الجزيرة السورية( منطقة شرق الفرات ) كماغربها،مثلما كان مصير المناطق التي حررها الجيش السوري والتي تبلغ مساحتها اليوم نحو 75 بالمائة من مساحة سوريا."
"لقد أخطأ الأكراد وتوهموا وخدعتهم أميركا وخرجوا على الوطن ،لكننا ننظر اليهم كمواطنين سوريين ،ولسنا في موقع الشماتة بهم.." بهذه الخلاصة ينظر مسؤول سوري بارز لما جرى ويجري في شمال البلاد .ويخلص آخر الى القول:"لن يبقى أردوغان في أرضنا ،وسيخرج منها ،وتعود الجزيرة السورية الى حضن الوطن".
هذه الحصيلة تلمسها في لقاءات مع مسؤولين في الخارجية وفي قيادة الحزب ومجلس الشعب.الكل يدين العدوان التركي على أرض سوريا ويعتبره احتلالا،لكنك تلمس خلف كل هذا قناعة مشتركة بأن أرض سوريا بمساحتها الكاملة ستعود الى حضن الدولة والنظام ،وأن السنوات العجاف بدأت بالتلاشي.
كانت المناسبة مهرجان الاعلام السوري الثالث الذي ينظمه اتحاد الصحافيين السوريين سنويا ،ويوجه دعوات الى الصحافيين العرب والأجانب للمشاركة في هذه الاحتفالية .يحضر في العادة صحافيون من عشر دول عربية ،وطبيعي أن يلتقي هؤلاء على هامش المناسبة مسؤولين سوريين في الحكومة والحزب ومجلس الشعب.
وفي هذه اللقاءات يستعرض المسؤولون السوريون  السنوات الصعبة التي مرة على سوريا وآخر التطورات ،وأبرزها الغزو التركي لشمال البلاد ،ويخرجون بالخلاصات الآتية:
"الحرب في سوريا لم يكن لها مثيل في التاريخ.في بدايتها كنا وحدنا حيث اجتمعت علينا 85 دولة وثلاثمائة ألف مرتزق ،وسخرت لها قدرات تدميرية وتمويلية بنحو اربعمائة مليار دولار.قطر وحدها اعترفت أنها دفعت 134 مليار دولار.خيضت ضدنا حروب إعلامية ودبلوماسية وسحب سفراء وحروب عقوبات وحصار .منعوا الشركات العالمية من التعامل معنا .صرنا نحصل على النفط من خلال المهربين في وقت كنا ننتج 300 ألف برميل يوميا تكفي حاجتنا ونصدر بعضه،ونفطنا اليوم تحت سلطة الأميركيين. ومع ذلك نحن أول دولة تنتصر على حرب عصابات بواسطة جيش نظامي.نحن لم ننتصر بالكامل لكننا على طريق الانتصار .كان بعض أصدقائنا عام 2014 ينصحون الرئيس بشار الأسد بترك البلاد. والرئيس الأسد قال منذ العام 2011 أن الحرب على سوريا ستنعكس على الأقليم بكامله .لقد أسقطت هذه الحرب كل الشياطين فصار حلفاء الأمس يختلفون بين بعضهم البعض ،في ليبيا وفي اليمن وفي السودان ،وصارت إسرائيل ضد العدوان التركي. في بداية الحرب السورية كنت تركيا بلا أزمات.مع حرب سوريا تصاعدت الأزمات التركية ،وهم الآن يحلون أزماتهم بخلق أزمة جديدة .لكن الغزو التركي يبقى اسهل من الإرهاب،وسينتهي كما انتهى احتلال المناطق السورية الأخرى ،والروس يقومون بدور هام في هذا المجال وينصحوننا ب"الصبر الإيجابي". 

"..قبل الحرب كان الناس في سوريا ينزعجون من تدخل الدولة في كل أمورهم.خلال الحرب اكتشفنا أهمية وضرورة وجود دولة قوية .لم تتوقف الخدمات ولا الرواتب في كل سوريا خلال الحرب وبعدها .اليوم يريد السوريون دخول جيشهم الى كل المناطق .لقد تفاوضنا مع الاكراد(قسد) ولم نصل الى نتيجة.لو كان الجيش السوري اليوم في شرق الفرات لما كان حصل الغزو التركي.والحل الآن هو في نشر الجيش السوري في تلك المنطقة".
ولكن ماذا عن الحلفاء في ظل علاقتهم الجيدة مع تركيا؟
يقول المسؤولون السوريون:نحن والروس والإيرانيون لسنا على اتفاق في كل شيء،لأننا لسنا تابعين لأحد ،ولو كنا نريد أن نكون تابعين لاخترنا الأميركيين .لكننا متفاهمون مع حلفائنا،وروسيا لا تقوم بأي عمل في سوريا من دون موافقة الحكومة السورية.ويوم سلم بوتين جثة الجندي الإسرائيلي من دون علمنا ،صرح بأنه سلم الجثة بموافقة سوريا.هم يناقشوننا دائما في كل الأمور،وأحيانا نوافق وأحيانا لا نوافق فيتراجعون.علينا أن ندرك ان للروس مصالح على مستوى الكون ،وكذلك بالنسبة لإيران ،والمسألة بيننا وبينهم مسألة إقناع.روسيا تحاول التقرب من تركيا بسبب المصالح المشتركة ،وروسيا صديقة لإسرائيل ، ونحن لسنا روسيا، وروسيا ليست نحن ،لكن السياسة الروسية تخدم سوريا .في بعض الاتفاقات كان الروس ينصحوننا ب"الصبر الإيجابي".في الأشهر الأخيرة حررنا أكثر من 500 كلم مربع في الشمال السوري.والروس يضغطون على الأتراك من أجل تحقيق أهدافنا .والمصالحات توفر علينا الكثير من الشهداء .
"بالنسبة لإيران كنا من ألد اعدائها أيام الشاه.اليوم ما يهمنا هو موقف ايران من القضية العربية ،قضية فلسطين.لا علاقة لنا بدينها ومذهبها وعقيدتها.نحن نتعامل مع ايران الشيعية ومع روسيا الارثوذكسية ومع فنزويلا الكاثوليكية ومع الصين وكوريا الشيوعية.لماذا النقمة على ايران اليوم ،هل لأنها نزعت العلم الإسرائيلي ورفعت العلم الفلسطيني وتدعم المقاومة ضد إسرائيل ؟..حزب الله حرر جنوب لبنان ولم يحرر أصفهان".
يروي أحد المسؤولين السوريين:ذات يوم قال وزير خارجية السعودية سعود لفيصل لسفير سوري "تخلوا عن ايران ونحن ندفع لكم ما تدفعه ايران لكم".رد السفير السوري بالقول "ادعموا المقاومة ضد إسرائيل ونحن نتخلى عن ايران "..ايران لا تدفع لنا .حتى النفط ندفع ثمنه.
يستطرد المسؤول السوري:الدولة تسيطر الآن على أكثر من 75 بالمائة من الأرض السورية ،لكننا لا ننكر أن المنطقة الشمالية فيها كثافة سكانية عالية ،وهي تختزن الأراضي الزراعية والنفط ،وهي سلتنا الغذائية ،ومن هنا أهميتها بالنسبة لنا . ما يحصل اليوم في شرق الفرات هو صراع بين أميركا وتركيا والأكراد.ذئاب تنهش بعضها في منطقة سورية محتلة .لذلك الغزو التركي لم يغير شيئا بالنسبة لنا .ما يتغير هو المحتل ،واليوم باتت النقطة المهمة في نظر العالم هي أن الحل هو في دخول الجيش السوري الى تلك المنطقة.الشيء الأساسي  أننا في كل شهر نتقدم خطوة الى الأمام .نحن دولة تصدت وصمدت وباتت عاملا مهما في هذا التحول الكبير في المنطقة.لا أحد يطرح اليوم أنه يحارب النظام السوري،وهذا يعني أن النظام انتصر".
يضيف:كان المخطط الأول السيطرة على حمص والقصير والدبوسية وتل كلخ في سوريا ،وعلى حلبا وطرابلس في لبنان لاقامة دولة إرهابية في الشمال اللبناني وبعض أجزاء من سوريا ،بهدف فصل جنوب سوريا عن شمالها .نعم شمال لبنان كان ضمن خطة حمص ،وهذا هو السبب الذي دفع المقاومة اللبنانية الى التدخل وإنقاذ شمال لبنان.الروس نصحونا في مرحلة ما بترك الغوطة الى مرحلة أخرى.لكننا أصرينا على تحرير الغوطة لكي تتنفس العاصمة دمشق.وهذه كانت نقطة خلاف مع روسيا.

   "ليس في سوريا مشكلة طائفية أو عرقية .حافظ الأسد كان أول رئيس عربي لسوريا ،الرؤساء الذين سبقوه كانوا من الأكراد والتركمان.والأكراد في الجزيرة السورية لا يتجاوزون ال25 بالمائة ،فكيف يمكن لهذه النسبة ان تقيم دولة كردية في هذه المنطقة.الى الآن ليس عندنا مشكلة طائفية .نحن لسنا العراق ولا لبنان .تسعون بالمائة من السوريين مسلمون ،بينهم ثمانون بالمائة من السنة .نحن عندما نتحدث عن الأكراد فإنما نتحدث عن مواطنين سوريين .ما يفاجئنا ليس الغزو التركي ،وليس وجود طرف كردي خارج على التفاهم السوري .ما يفاجئنا وجود رغبة دولية غربية بإقامة دولة كردية.نحن لا نحمّل المسؤولية للجانب التركي المتسلط ولا لجنون أردوغان ،بل أيضا للمجموعات الكردية التي لم تسمح للجيش السوري بالتواجد .عندما دخلوا عفرين جاءت تركيا وطردتهم وسيطرت ،واليوم بسبب وجودهم تسيطر تركيا .
يسأل مسؤول سوري آخر:ماذا تعني المنطقة الآمنة ،ولمن هذه المنطقة ومن سيسكن فيها؟..أردوغان يريد عودة اللاجئين ،فيما هؤلاء اللاجئون من كل مناطق سوريا إلا من المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد.أكثرية سكان هذه المنطقة من العرب ،وأي واقع جديد فيها لن يؤدي الى الاستقرار .اذا كانت تركيا اليوم تخرق اتفاق أستانة ،فكيف يمكن أن نقنع اللجنة الدستورية بأن عملها سيكون منتجا ،وكيف نقنع أعضاء هذه اللجنة بالذهاب الى جنيف للاجتماع آخر الشهر الجاري؟..سيأتي بيدرسون الى سوريا وسنبلغه هذا الكلام .الأفكار الطورانية هي التي تحرك أردوغان ،لذلك يجب أن نمارس ضغطا عربيا لمنعه من احتلال شمال سوريا .فهذا الاحتلال يخلق قضية جديدة سوف تشغلنا جميعا عن إسرائيل وممارساتها.الواضح أنه أينما ذهبت تجد إسرائيل ودورها.الروس يحاولون اليوم امتصاص الاندفاعة التركية في سوريا .وبعض الدول العربية التي ترفض الغزو ،ليست خائفة من تركيا ،بل خوفا من تصاعد الأخوان المسلمين.


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى