رأي

كيف أسقط ترامب نظرية “نهاية التاريخ” لفوكوياما بالضربة القاضية !؟ ( أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

قليلون أولئك الذين يملكون شجاعة مراجعة كتاباتهم أو أقوالهم أو أفعالهم، خصوصاً أولئك الذين شاركوا في صياغة أيديولوجيات جديدة، أو روّجوا لأفكار أدت إلى مظالم كثيرة في حق شعوب بأكملها. حتى الذين خسروا بلادهم وممالكهم نتيجة الظلم والقهر الذي ألحقوه بشعوبهم، نراهم – إذا بقوا على قيد الحياة – يصرون على أن ما فعلوه كان في مصلحة شعوبهم ودولهم.

في الكتابة والفكر نجد أن كثيراً منهم يتمسكون بنظرياتهم، مع أن الوقائع والأحداث المتعاقبة قد أثبتت خطأها، وبعدها عن الحقيقة والأهداف التي سعت للوصول إليها. واحد من أولئك الشجعان هو فرانسيس فوكوياما، الكاتب الأمريكي من أصول يابانية، فبعد أن كان من المنظرين للمحافظين الجدد في أمريكا في تسعينيات القرن الماضي، ها هو يبتعد عنهم ويكشف أخطاءهم التي ارتكبوها. كما أعاد مراجعة كل ما كتبه من أفكار ورؤى سياسية واجتماعية.

في العام 1992، أصدر فوكوياما كتابه “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”، وقد لاقت أفكاره التي صاغها في الكتاب رواجاً عالمياً. سبق الكتاب مجموعة مقالات عبّرت عن أفكاره بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. في المقالات ثم في الكتاب اعتبر فوكوياما أن البشرية قد وصلت إلى النظام الديمقراطي الليبرالي، وهو أرقى ما يمكن أن تصل إليه البشرية من نظام سياسي واجتماعي، وأن الديمقراطية الليبرالية وقيمها عن الحرية والفردية والمساواة والعولمة والليبرالية الاقتصادية، تشكل ذروة التطور الأيديولوجي للإنسان بعد إجماع معظم الناس على صلاحيتها وعدم وجود بديل أفضل.

أحد الأمثلة التي ذكرها فوكوياما في كتابه عن أن الرأسمالية الليبرالية بإمكانها الحد من طموح رجال الأعمال بالوصول إلى السلطة للإمساك بالمجد من طرفيه، وهم وإن وصلوا، فإن منظومة الحكم الديمقراطي الليبرالي سوف تبتلع نهمهم للقوة والسيطرة بما تختزنه من قواعد وقوانين تمنع تفردهم، وجرّهم العالم إلى مآسٍ جديدة. طبعاً حمل كتابه دعوة إلى كل دول العالم لتبني النظام الديمقراطي الليبرالي.

الشهر الماضي أصدر فوكوياما مذكراته تحت عنوان “في مملكة الإنسان الأخير”، فأعاد مراجعة كتاباته وما تحويه من أفكار وطروحات سياسية واجتماعية، وخلص إلى أن كثيراً مما كتبه وتوقعه، كان عبارة عن تمنيات وأوهام أكثر منها تعبيرات عن واقع فعلي قائم.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي نصّبت أمريكا نفسها حاكمة على العالم، واتخذت من نشر الديمقراطية شعاراً لها، لكن على مدار أكثر من ثلاثين سنة يظهر أنها قد فشلت في تحقيق ذلك، وها هو توماس باراك مبعوث الرئيس ترامب إلى سوريا يعلنها: “أن السيطرة لم تنجح، في كل مكان حاولنا فيه التملك والسيطرة سواء في ليبيا أو أفغانستان أو سوريا أو العراق – يا لها من كارثة في العراق – لقد انخرطت الولايات المتحدة في نحو 23 محاولة لتغيير الأنظمة في المنطقة، وفي كل مرة حاولنا فيها التدخل لتغيير شخص أو نظام تبين أن ذلك كان خطأً”. طبعاً، كل ذلك كان تحت عنوان نشر الديمقراطية في هذا الجزء من العالم.

 لعل هذا ما دعا فوكوياما إلى مراجعة ذاتية لأفكاره قبل كتاباته، فالناس لم تكن تبحث كما يقال عن لقمة العيش بل عن الحرية والاستقلال بمعنى الاعتراف والكرامة. الديمقراطية الليبرالية وعدت بالكرامة والحرية كما وعدت بالحقوق المتساوية وحكم القانون، لكنها فشلت في توزيع الاحترام. وكما في جمهورية أفلاطون وكتابات هيغل فالناس لا يثورون لأجل المال فقط، بل لأنهم يشعرون بـ”عدم الاحترام”. هذا العطش للكرامة هو المحرك الحقيقي لحركات التحرر، ولهذا لم تقبل الشعوب الأفكار التي جاءت من الغرب، لأنها تحمل في طياتها أوامر الرضوخ والإذعان، أي استبدال نظام يُتهم بالديكتاتورية، بنظام أسوأ تحت عناوين الليبرالية والديمقراطية، ففشلت كل تلك المحاولات.

الأكثر غرابةً، أن هذا النظام الذي سعت أمريكا لنشره في العالم قد أصيب بضربات قاسية في عقر داره، أي في قلب العالم الغربي وأمريكا في السنوات الأخيرة. لقد أظهر نموذج أصحاب الثروات مثل ترامب وإيلون ماسك وبولسونارو وغيرهم، أن وصولهم إلى السلطة جعلهم يظنون أنفسهم أنهم في مرتبة أعلى من كل النظم، فضربوا بعرض الحائط كل نظريات الديمقراطية والليبرالية لصالح نظام يعتمد على ازدواجية السلطة والمال، وهو ما جعلهم في أسوأ مراتب الديكتاتورية، التي يمكن تسميتها بالديكتاتورية الجديدة أو الديكتوليبرالية.

إن الحروب التي خيضت في السنوات الماضية سواء بين روسيا وأوكرانيا، أو بين أمريكا وإيران، أو بين العدو الصهيوني وإيران ولبنان وغزة وسوريا، تأتي في هذا السياق، وهي محاولات فرض رؤية حكم تحقق مصالح بعض هذه الدول من دون أي اعتبار لشعوب هذه المنطقة، أو احترام لها ولتاريخها، أو اعتراف بكرامتها وقيمها.

لقد أعطى ترامب صورة معاكسة لكل ما يقوم عليه النظام الليبرالي الديمقراطي من مبادئ، وذلك من جراء عدم احترامه لكل زعماء الدول الذين اجتمع معهم، كما من خلال أوامره للرؤساء وللدول، إن بتكراره الطلب من الرئيس الشرع الدخول إلى لبنان وقتاله المقاومة، أو من خلال إصراره على إهانة الرئيس الأوكراني زيلنسكي ومحاولة إلزامه للتوقيع على اتفاقات لا يرى أنها في مصلحة لدولته، أو من خلال ما وجهه من كلمات الاستعلاء على زعماء دول أفريقية زاروه في البيت الأبيض، أو تجاهله العديد من قادة الدول الأوروبية في العديد من الاجتماعات التي حضر فيها.

وازدادت هذه الصورة بشاعة باختطافه للرئيس الفنزويلي من قصر الرئاسة، وحربه على إيران، وقتله معظم قادتها، وتهديده الدائم باحتلال غرينلاند، وكوبا. كل هذه أمور أساءت للديمقراطية والليبرالية التي أوصلته إلى الحكم كما أوصلت العديد من أمثاله.

أما الصورة الأكثر قتامة، فهي كذبه المستمر، حتى عدّت له بعض الصحف الأمريكية آلاف الأكاذيب خلال ولايته الأولى، وآلافها أيضاً خلال هذه الولاية الثانية، والتي حسب بعض هذه الصحف لا يمر يوم إلا ويطلق ترامب عشرات الأكاذيب، لا يصلنا منها إلا ما يدعيه عن السيطرة على مضيق هرمز، وسحقه إيران، وأنه لا يجد في إيران من يتفاوض معه.

كما كانت انتصارات أمريكا خلف صياغة فوكوياما لنظريته في نهاية التاريخ والإنسان الأخير. تبدو أمريكا اليوم بقيادة ترامب قد جعلته يتراجع – كما صرح في مذكراته – عن كل تلك الأفكار والنظريات لصالح فكرة أنه لم ينجح أحد حتى الآن في بناء هندسة سياسية جديدة تستوعب جموح “الإنسان الأخير” الباحث عن الصراع والكرامة دون تدمير المساواة الديمقراطية.

استغرق الأمر ما يقارب من ثلاثين عاماً ليُعيد فوكوياما مراجعة نظريته وتبين خطأها، لكن لن يطول الأمر ليميط اللثام عن أن هذه الديمقراطية الليبرالية وأخواتها، ليست إلا واجهة، اختبأ خلفها الكثير من الزعماء والأنظمة التي ارتكبت مئات الجرائم والفظائع والإبادة بحق الإنسان، على الأقل منذ نشوء أمريكا – كما نعرفها الآن – على جثث ملايين السكان الأصليين، وزرع نظام عنصري مجرم في فلسطين، قتل عشرات الآلاف من مواطنيها، وما زالت آلة إجرامه تفتك بأصحاب الأرض في فلسطين ولبنان وسوريا.

يُحسب لفوكوياما أنه قام بتلك المراجعة، وهي فضيلة نتمنى أن يقوم بها كل من في السلطة في لبنان وخارجها، حتى لا يكونوا ضحية هذه الديكتوليبرالية التي لن تترك كرامة لأحد يرضخ لها، إلا وستسقطها، وتذيقه ذل الهوان.

 

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى