منوعات

كورونا وأمراض القلب والشرايين :معطيات جديدة وخطيرة

د.طلال حمود *
كنا قد أشرنا في عدّة مقالات سابقة  إلى أهميّة تنبيه مرضى القلب والشّرايين لخطورة الإصابة بفيروس كورونا والأسباب التي تجعلهم أكثر عُرضةً للإصابة بإختلاطات جانبيّة وللوفيّات مُقارنةً  مع المرضى العاديّين.  وذكرنا  أنّ العديد من الدّراسات أثبتت أنّ العامل المُشترك الذي يؤدّي إلى زيادة خطورة الإصابة بفيروس الكورونا عند المرضى المُصابين بأمراض القلب والشّرايين هو "خلل أو ضعف في عمل  جهاز المناعة"، وهو ما أثبتت دراسات عديدة أنّه موجود ايضاً لدى المرضى المُصابين بأمراض القلب والشّرايين اي ان هناك عوامل مناعية لا جدل حولها  لها ايضاً دور كبير في الإصابة بهكذا امراض.

هذه المقالة تُحاول ان تُلقي الضوء على معطيات جديدة في مجال علاقة الإلتهابات الناتجة عن فيروس كورونا وامراض القلب والشرايين والمعطيات  الجديدة  التي ظهرت منذ تاريخ نشر تلك المقالات غيّرت نسبياً من طريقة فهمنا لهذا المرض وكان لها تداعيات كبيرة على طريقة علاجه. لأن الخبراء إكتشفوا انه ليس فقط ضرر فيروسي موضعي يُصيب الرئتين بل انه مرض متفشّي ، مُنتشر وخطير يُصيب "البطانة الداخلية" الموجودة في جدار كل الأوعية الدموية وله لهذا السبب إختلاطات اخرى كُتب ونُشر عنها الكثير من المقالات. ومن هنا تأتي اهمية هذه الإكتشافات خاصة وانّ الجائحة لا زالت في ذروتها ولازالت تحصد حياة الآلاف من المصابين بهذا الفيروس في معظم دول العالم ومنها لبنان، وكان  لا بُدًّ من الإضاءة على آخر هذه التطوّرات خاصه بعد مرور ١٠ اشهر تقريباً على بدء إنتشار الجائحة في شهر كانون الأول ٢٠١٩.

١-عوامل الخطورة: في البداية لا بد من ألقول إن معظم المُعطيات العلمية المتوفرة حتى تاريخ اليوم تُظهر بأن الإلتهابات او العوارض  التي يتسبّب بها فيروس كورونا تكون خفيفة في حوالي 81% من الحالات و خطيرة في 14% منه، وتستدعي الدخول إلى غرف العناية الفائقة في حوالي 5% من الحالات . أما من ناحية الوفيات فإن نسبة الوفيات العالمية المتوسطة هي حوالي 2,3 % .لكن هذه النسب القليلة من الوفيات والتي تُعتبر قليلة جداً عند المرضى البالغ عمرهم أقل من ستين سنة،  تزداد بشكلًٍ كبير مع التقدّم في السنّ وتبلغ  8 % عند المرضى الذين يتراوح اعمارهم بين السبعين و التسعة و سبعين سنة. وتصل إلى أكثر من 14% عند الأشخاص الذين يفوق عمرهم الثمانين سنة .
أما إذا نظرنا إلى عوامل الخطورة المُسبّبة لأمراض القلب وعلاقتها بالإلتهابات بفيروس كورونا  فنجد أن إرتفاع الضغط الشرياني موجود عند حوالي 15 % من المرضى المُصابين ومرض السكري عند حوالي 20 % من هؤلاء المرضى. كذلك تزداد الأمراض القلبيةبكلّ اشكالها  بشكلٍ كبير عند المرضى المصابين بإلتهابات  كورونا. وتبلغ نسبة هؤلاءالمرضى حوالي 15%. وهناك دراسات عديدة أثبتت أن المرضى الذين يعانون من مشاكل مُزمنة في الكلى أو من أمراض سرطانية او يتناولون الأدوية من اجل هكذا امراض او من امراض تضرب جهاز المناعة ( وراثية او مُكتسبة) او  يتناولون الأدوية التي تكبح عمل هذا الجهاز يُعانون اكثر من غيرهم من حالات خطيرة فمن الإلتهابات بهذا الفيروس. كذلك الأمر عند من يُعانون  من أمراض رئوية مزمنة  مثل الربو او الإنسداد الرئوي المزمن أو البدانة التي تتسبب ايضاً بنقص في مناعة الجسم.

٢-الإختلاطات التي تتسبب بها  الإلتهابات بفيروس كورونا :

في البداية لا بد من الإشارة إلى أنّ الدراسات والإحصاءات المُتوفرّة في الدول الغربية لم تكتمل حتى تاريخ اليوم لأن أهمّ الفرق الطبيّة الغربية والموثوقة كانت ولا تزال حتى اليوم مشغولة في مكافحة هذه الجائحة بكل الوسائل والإمكانيّات المُمكنة على أمل التفرُّغ لإجراء الدراسات لاحقاً بعد تجميع المعطيات العلمية التي ستتراكم مع الوقت من مختلف البلدان. ومجمل المعطيات التي نُشرت حتى اليوم اتتي من فرق طبّية صينية او من بعض الفرق الإيطالية غيرها ولكن ملف هذا المرض لم يكتمل بالكامل لأننا ننتظر ان تتجمّع المعطيات الواردة من كل دول العالم لكتابة تقاريرها ونتيجة ابحاثها حول هذا الفيروس لكي تتضح الصورة اكثر ولأننا نشهد امور جديدة ومتناقضة احياناً من هنا وهناك ولأن استمرار الجائحة بزخم كبير منع حتى اليوم عقد المؤتمرات الكبيرة لمناقشة وتحليل وتلخيص كل التقارير الواصلة من كل دول العالم.
كذلك وفي عرضنا لهذا الموضوع،   لا بد لنا من التفريق بين المرضى "العاديين" او  "العذارى" اي الذين لم يكونوا مصابين من قبل  بأمراض القلب والشرايين  والذين يدخلون بإلتهابات كورونا من خلا الإصابة المباشرة بإختلاطات قلبية نتيجة الفيروس،  وبين المرضى المصابين بأمراض قلبية مُزمنة والذين نقول عنهم أنهم "مرضى قلب مزمنين" والذين يتعرضون إلى إلتهابات بفايروس كورونا لأن كل الدراسات تشكيل الو ان وجود مرض القلب يُفاقم ويُضاعف من مخاطر هذه الإلتهابات.

٢-الأعراض التي تأخذ شكل  "أعراض قلبية" : هناك حوالي 10 % من المرضى الذين يصابون بإلتهابات فيروس كورونا والذين تظهر عندهم أعراض مُشابهة تماماً للأعراض التي نجدها عند المرضى المُصابين بأزمات قلبية حادّة. وقد نُشرت عدّة مقالات في مختلف انحاء العالم تتحدّث عن هذه الظاهرة الجديدة. بحيث يكون "الألم الصدري الشديد" الذي نجده في حالة إحتشاء عضلة القلب او ما نسمّيه الذبحة القلبية  هو  "العلامة الأولى او   الأساسية" التي يشكو منها المريض عند دخوله إلى المستشفى. وهذا ما قد يُبعد الأطباء عن التشخيص الحقيقي ويعرّضهم مع كل الطاقم الطبي المُعالج  لخطر إنتقال العدوى ويحعلهم يُعالجون المريض وكأنه مريض ذبحة قلبية ويُجرون له عمليات القسطرة او التمييل ليكتشفوا لاحقاً انه يعاني فقط من إلتهابات فيروس كورورنا ويغيّروا كل إستراتيجية العلاج.
  في المقابل لا بد من التذكير هنا إلى أن العلامات الاساسية لإلتهابات فيروس كورونا هي إرتفاع  الحرارة في 56 % من الحالات،  ضيق النفس و السعال في حوالي 48 % من الحالات ، فقدان حالة التذوّق والشمّ في بعض الحالات.
وهذان العارضان هما من الأعراض المُميّزة جداً التي تبيّن أن لها علاقة كبيرة
وشديدة الإلتصاق والخصوصية بإلتهابات فايروس كورونا  .
ولذلك وبسبب هذا التشابك والترابط بين الاعراض القلبية و الاعراض الرئوية  هناك صعوبات كثيرة في تشخيص المرض مما يضع الأطباء في وضع صعب في بعض الحالات لأن الذبحة القلبية بحدّ ذاتها قد تتصاحب في الكثير من الحالات مع ضيق في التنفس  و حالة احتقان رئوي وسعال شديد . والجديد ايضاً في هذا المحال ان الدراسات الجديدة  والتي تمّ تجميعها حتى تاريخ اليوم  تُشير الى أن إلتهابات فيروس كورونا لها إختلاطات رئوبية اصبح الجميع يعرفها جيداً وإختلاطات  قلبية سوف نفصلها في الجزء الثاني من هذه المقالة.
و لكنها لها أيضاً بعض الإختلاطات و الأعراض الجلدية والعصبية و من المُمكن أن يتسبّب هذا الفيروس بإصابات في العين والشكبيّة تحديداً او في الكبد او في الكلى حيث يتسبب في حصول قصور كلوي حاد
وخطير. كذلك فهو قد يصيب الأمعاء و يتسبّب بمشاكل كبيرة في الجهاز الهضمي من ضمنها حالة نقص حاد
وخطير في تروية الأمعاء مع ألم كبير والتهابات وغرغرينا خطيرة جداً في البطن. وهناك دراسات اخرى جديدة أكدّت أن الجلطات الرئوية والجلطات في الاوردة قد تكون موجودة عند عدد كبير من المرضى. كذلك اظهرت دراسات جديدة ومنذ فترة أن هناك أعراض عصبية وجلطات دماغية قد تكون ناتجة عن هذا الفايروس .

٣-الإلتهابات “النظامية” او  “المنتشرة” في جدار الأوعية الدموية (Systemic vaculitis) :  وهذا المُعطى "الثوري الجديد"  هو من اهمّ الإكتشافات المُلفتة  في معركتنا مع فيروس كورونا بحيث  إن معظم الدراسات الجديدة أظهرت أن فيروس كورونا لا يتسبّب فقط ب "مرض موضعي" بحيث أن الفيروس يُهاجم فقط الخلايا الرئوية الموجودة في الشعب الهوائية و الرئتين وخلايا القلب والامعاء والكلى والجلد والأعصاب، بل أن هناك مُعطيات علمية كثيرة أثبتت أن الفيروس يؤدّي إلى "إلتهابات خطيرة و مُنتشرة في خلايا البطانة الداخلية الموجودة في جدار الأوعية الدموية المنتشرة في كل انحاء الجسم . و قد أكدّت الدراسات الميكروسكوبية ودراسات التشريح المرضى  ان هناك تواجد مباشر للفيروس في خلايا هذه البطانة او تحفيز كبير لبعض خلايا المناعة (T  lymphocytes)  واالتي تحتوي على كميات كبيرة من المواد المُضرّة جداً  للفيروس ولخلايا الجسم الطبيعية المحيطة الأخرى -وهذا هو منشئ الخطر الحقيقي- والتي تتسبّب بموت الخلايا من حولها ومن هنا المخاطر الكبيرة لهذه الظاهرة الجديدة التي تؤكّدها مختلف الأبحاث الجديدة.
* طبيب قلب وشرايين- مُنسّق مُلتقى حوار وعطاء بلا حدود

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى