دولياتسياسة

كورونا تضع ترامب بين إنقاذ الأرواح أو الاقتصاد (2)

 


وحدها الولايات المتحدة الأميركية من بين دول قليلة غردت بداية خارج سرب القلق من جائحة كورونا ،وتوالت التصريحات المتناقضة لرئيسها دونالد ترامب الذي قلل من مخاطر الفيروس محذراً من التداعيات الاقتصادية على البلاد والعالم التي يمكن أن تنتج عن تعطيل النشاط الاقتصادي، لكنه في ما بعد وجد نفسه محاصراً بالأعداد المتسارعة للإصابات في معظم الولايات الأميركية وصولاً لإعلانه الكارثة الكبرى في جميع تلك الولايات ،طالباً مبالغ كبيرة وصلت لأكثر من تريليوني دولار للتعويض على المواطنين والشركات والمؤسسات، ولمواجهة الوباء العالمي متحدياً في الوقت نفسه هذا الوباء ،وبأنه لن ينتظر طويلاً لإعلان العودة للحياة الطبيعية ولو بشكل مدروس، مع مراعاة التوجيهات الصحية الرسمية بهدف الخروج من دائرة الكساد ،وتحديداً لإنقاذ الاقتصاد الأميركي، خاصة في ظل تحريك الصين لعجلاتها الاقتصادية وتكثيف صناعاتها وتوجيه بعضها لتصنيع المستلزمات الطبية التي تحتاجها معظم دول العالم ،فجاءت الدعوة لمعاودة تحريك الاقتصاد ولو بحذر، وترك هامش للولايات المستعدة لذلك مع وضع تدابير صارمة للحد من انتقال العدوى تماشياً مع الإجراءات التي اتبعتها معظم دول العالم في ما يتعلق بالتباعد الاجتماعي.
مع الوقت وبعد الانتشار الجامح للفيروس في الدول الأوروبية التي سجلت ارتفاعاً متواصلاً للإصابات والوفيات ،وتحديداً في إسبانيا وإيطاليا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ،ومع الأخذ بعين الاعتبار التفاوت السكاني بين الدول ،احتلت الولايات المتحدة الأميركية قائمة الإصابات والوفيات في العالم ،نظراً لتسارع الانتشار وصعوبة تأمين المستلزمات الطبية بشكل كامل وإجراء فحوصات لأكبر عدد من المواطنين، بحيث بلغت الإصابات في أميركا حتى السابع عشر من شهر نيسان 678210 إصابة و34641 حالة وفاة ،ما نسبته 5.1% من إجمالي الإصابات بعد أن كانت النسبة قبل هذا التاريخ بيومين 4.2% .
وتظهر الأرقام بأن الإصابات والوفيات في ارتفاع مستمر بعد أن بلغت قبل هذا التاريخ بيومين 614246 إصابة و26064 حالة وفاة بارتفاع أكثر من 60000 إصابة ما نسبته 9.4% وحوالي 8000 حالة وفاة بارتفاع نسبته 24.7% ،وارتفاع أعداد الوفيات يشكل أمراً مقلقاً لمسار مخيف إذا استمر الوضع بهذه الوتيرة القاسية ،وارتفاع نسب الإصابات والوفيات لا تقتصر على الولايات المتحدة وخاصة في ما يتعلق بارتفاع أعداد الوفيات نسبة للإصابات. فقد ارتفعت تلك النسبة في بريطانيا من 12.9% إلي 13.3% وفي السويد من 9% إلى 10.6% وفي بلجيكا من 13.3% إلى 14.2% وهناك عدة دول تميزت بانخفاض معدلات الوفيات نسبة للإصابات مقارنة ببلجيكا وبريطانيا والسويد ومن هذه الدول: أستراليا بنسبة 0.9% وروسيا بنسبة 0.8% وفي النروج حوالي 2.2% وألمانيا بنسبة 2.9% وفي كندا 3.9%.
بالعودة للولايات المتحدة الأميركية ،فقد شكلت أعداد الإصابات الأميركية ما نسبته حوالي 30.8% من الإصابات في العالم والتي بلغت حتى 17 نيسان 2.197.866 إصابة ،كما شكلت حالات الوفاة في أميركا نسبة 23.4% من حالات الوفاة في العالم التي بلغت 147580 حالة وفاة، وهذه أرقام تكشف فشل السلطات الرسمية في التصدي للفيروس وتسارع الانتشار في الولايات الأميركية ،بالرغم من الحجم السكاني الكبير البالغ نحو 328.2 مليون نسمة بحيث تشكل الإصابات ما نسبته 0.2% من إجمالي السكان.
لا شك بأن الأعداد المتزايدة في الإصابات سببه التأخير في اتخاذ الإجراءات السريعة للمواجهة، ومسارعة الولايات المتحدة للتصويب على الصين واتهامها بإخفاء الحقيقة عن الوباء بالتواطؤ مع منظمة الصحة العالمية وتحيزها للصين، ما دعا أميركا لتعليق مساهمتها المالية في تلك المنظمة وصولاً إلى تصريحات وزير الخارجية بومبيو ومطالبته بمعاقبة الصين بسبب إخفائها للمعلومات.
لقد أخفق ترامب في مواجهة الوباء العالمي ووقع ضحية حساباته الخاطئة لمعالجة تداعيات أزمة كورونا وتأييده بداية لإجراءات بريطانيا ورئيس وزرائها بوريس جونسون، في اعتماد طريقة مناعة القطيع وترك الوباء يصيب معظم المواطنين لاكتساب المناعة، لكنه تراجع أمام الضغوط التي تعرض لها واتهامه بالتخلص من كبار السن وسط التفشي السريع للفيروس وازدياد معدل الإصابات والوفيات. كما أن جونسون نفسه لم يسلم من الإصابة بالفيروس ودخوله العناية المركزة وتعافيه لاحقاً من الإصابة وسط قلق حقيقي من تفاقم الأزمة الصحية الكارثية.
لقد تركز هدفنا في الإضاءة على أزمة جائحة كورونا في تبيان مسرح العمليات الدولية وكيفية مواجهة هذا الوباء والطرق التي اعتمدت من قبل دول العالم ،وتحديداً الولايات المتحدة الأميركية تمهيداً لاستخلاص النتائج العملية والعلمية لتشكل مرجعاً مستقبلياً للتعاطي مع أَوضاع مشابهة وضرورة الاهتمام بأنظمة الدول الصحية وإبقائها في جهوزية تامة وبشكل مستمر ،وفي معظم الأوقات ووضع خطط استراتجية للطوارىء الصحية من أجل توسيع هامش التحرك واتخاذ الإجراءات السريعة لاحتواء التداعيات. هذا من جهة ومن جهة أخرى تفعيل أنظمة التعاون وتوحيد الإجراءات العالمية التي قد تكون عاملاً مساعداً لتخفيف المخاطر التي يمكن أن تقود إلى كوارث صحية تهدد حياة البشر وتفاقم أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية نتيجة التأخر في معالجة تلك التداعيات، ولا بد من الالتزام بدعم منظمة الصحة العالمية وتفعيل آليات التنسيق مع الأجهزة والوزارات الوطنية المعنية في دول العالم .كما أن من شأن هذا التعاون والتنسيق أن يطال مراكز الأبحاث الطبية والجهات المختصة لإجراء اختبارات سريعة لإيجاد العلاجات واللقاحات المناسبة التي تقصّر مدة التغلب على انتشار الأوبئة وإعادة الحياة إلى طبيعتها .كما أن التعمق في الأسباب التي أدت إلى ظهور تلك الأوبئة تساعد في تفادي العديد منها، خاصة تلك التي يمكن لتصرفات الإنسان منع ظهورها، ما يجعل من التعاون الدولي بارقة أمل لإنقاذ البشرية من المزيد من الأزمات الصحية الخطيرة.
لقد أثبتت التجارب في الأزمات الدولية أن الاهتمام بالإنسان هو اهتمام عالمي مشترك ،لن تنفع المعالجات الفردية من الحد من تداعياتها، وأن المواجهة الجماعية كفيلة بالتخفيف من خطورتها وإجراءات الثقة قادرة على تطبيق الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بتلك الأزمات، والتي وضعت أساساً للخروج منها بأقل الخسائر وبهدف مواجهة كل ما يهدد الإنسان ووجوده.

 

TEST


 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى