سياسةمحليات لبنانية

كلب سلوقي..

 

خرجتُ اليوم من منزلي كلباً سلوقيًا يلهث من التعب، قبل ان يبدأ يومه بالركض من اجل الصيد، من أجل رغيف خبز ، من اجل اشتراك كهرباء واشتراك ماء، من اجل أقساط مدرسية واشتراك ضمان صحي، من اجل كفارة رمضان وثياب العيد.

لم التق في الشارع بفريسة  اتصيدها فالجميع هنا، سلوقيون وجعاريون وكلاب من فصيلة الذئاب و كلاب مختلفة يصعب تسميتها تجول في الشارع تبحث مثلي عن عظمة هنا و عن رزق هناك.
ككلب سلوقيّ متعب ومصاب بالخيبة من عالم الحيوان ، جثوت على الارض قرب مدخل ملحمة صغيرة لأراقب صديقي العجل المذبوح والمسلوخ ، كيف يقطع لحمه الذئب الجزار بالسكين وكيف تفرم الفرامة لحمه . رمى لي الجزار عظمة من ساق صديقي ورغم جوعي وضعفي لم اتناولها، لن آكل من لحم رفيقي المناضل المسكين، تربطني به صداقة نضال قديمة ، كان مقاتلا شرساً عند خطوط التماس ضدّ الاسرائيليين ،كان يتقدم المظاهرات الطلابية دفاعاً عن فلسطين ويوم اصيب برصاصة اقعدته بالبيت ، نساه الحزب وسئم من خدمته اهله.
غضب الجزار ، رماني ببلاطة صغيرة كادت تطيح برأسي لولا حافة الباب، ثمّ صرخ بي:
-"لا تكون بدك اكل دليفري يا كلب يا ابن الكلاب."
هربت، ركضت، من تعثر حظي ،مريت بقرب  ملحمة كبرى، رمتني الخراف المنتظرة دورها للذبح بالحجارة،كلما دعوتها للحرية ، تتهمني ظلماً بالنجاسة .
اقترب منّي ديك اعرفه يتقنع بلباس شرطي ،سألني عن مشكلتي ،شرحت له حالتي،نده لصاحب له ديك آخر لا أعرفه،اخبره قصتي،قال له انه يعرفني من ايام الدراسة،أني كنت من انجح الناجحين ،اني كنت السباق للتضحية ومثالا للصدق ومثالا للناس الطيبين ،كيف ان الاقدار جعلت منّي كلباً بقدرة قادر او بسحر من مشعوذين، أشفق الاثنان عليّ وقال صاحبه :
–مسكين ابن آدم في هذه البلاد ، خذه الى طبيب نفسي!

لست بحاجة ليأخذني أحد، توجهت بنفسي الى عيادة طبيب نفسي ،دخلت ،وجدت مساعدته ،غنمة أفرطت بالمساحيق على وجهها لتبدو كغزالة ،  منتظرا، جلست اشاهد نشرة الأخبار على الجهاز المرئي ، استقبل النمر و ودّع الجاموس واستقبل الطاووس و هدّد الاسد، أحال مجلس وزراء الثعالب مشروع قانون و وعد مجلس نواب الصقور بدرس الموازنة وحذّر اليوم قطاع مصارف البوم واحالت النيابة العامة للفهود  و توعد النسر بثورة كلاب وخراف في الشارع ، ندهت لي المساعدة، أدخلتني الى الطبيب، قردٌ بلباس انيق، في يده قلمٌ،يجلس خلف مكتب فخم،سألني عن مشكلتي فقلت:
—لا مشكلة عندي، المشكلة عندك وفيك،اتيتك لأفيدك ، انت توقع على افادات كاذبة، هذا انسان طبيعي وهذا انسان مريض، اتيت لأسألك إن كنت فعلاً بحاجة لي،  اين ترى الانسان ايها الطبيب، نحن نحيا في غابة، نعيش عيشة الكلاب،في عالم يحتضر فيه الضمير، مفكروه لا يتصدون للحروب وعلماؤه يتسابقون من اجل السلاح الفتاك  والعنصرية واللؤم  والحقارة تكثر وما تبقى من شرفاء نضال فمن تهميش وإلى زوال ، إن كنت فعلا  ترى من حولك بشراً ، فدعني أعالج هلوساتك يا حضرة الطبيب؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى