كذب المؤقتون للحروب ولو صدقوا !(أحمد حوماني)

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز
يشكل العلم بالغيب أحد الأمور الأكثر إثارة في حياة البشر منذ قديم الزمان، وقد يكون ذلك نابعاً من خوف الإنسان من المستقبل المجهول، أو قد يعود ذلك إلى حب الإنسان لمعرفة كل ما هو مخبوء، ويتعاظم ذلك في الأوقات الصعبة التي تمر عليه، حتى أصبح هذا الموضوع هاجساً نفسياً لكثير من البشر على مر التاريخ.
والتاريخ يسرد لنا الكثير من الحكايات عن ملوك وأمراء ورؤساء اعتمدوا على المنجمين والعرافين حتى في إدارة شؤون دولهم، وقد تكون بعض الأسماء صادمة عند ذكرها، كمثال الرئيس الأمريكي السابق رونالد ريغان وزوجته نانسي، واعتمادهم على المنجمة جون كويغلي. فقد لجأت نانسي إليها بشكل دائم، وهي التي تولت عملياً وضع الجدول الزمني اليومي للرئيس لثماني سنوات. ولم يكن ريغان يسافر، أو يعقد مؤتمراً صحفياً، أو يوقع معاهدة إلا بعد موافقة كويغلي، وتأكيدها أن “الاقتران الفلكي” ملائم ومبشر بالنجاح.
أما الرئيس الفرنسي الأسبق فرانسوا ميتران فقد كان يستشير بانتظام المنجمة الشهيرة إليزابيث تيسييه، وهي اعترفت لاحقاً، ونشرت تسجيلات، تؤكد أن ميتران كان يستشيرها في شؤون الدولة الحساسة. ومنها اختيار المواعيد المناسبة لإجراء الاستفتاءات السياسية، ومناقشة تطورات حرب الخليج الأولى في تسعينيات القرن الماضي.
وقد عُرف عن رئيسة وزراء الهند أنديرا غاندي اعتمادها الكبير على مستشارين روحيين ومنجمين لتحديد “الساعات المباركة”، المعروفة هندياً بالـ Muhurta لتوقيع الاتفاقيات الرسمية. وحتى لتحديد التوقيت الدقيق لإعلان القرارات السياسية الهامة أو أداء القسم الدستوري لتجنب الطالع السيء.
ومن العصور الوسطى، نجد أن واحدة من أعظم ملكات بريطانيا، إليزابيث الأولى، جعلت من المنجم والعالم جون دي مستشاراً مقرباً في بلاطها، والقائمة طويلة جداً، ولا مجال لذكر الجميع. وفي العالم العربي المعاصر، ذكرت إحدى الملهمات أن عدداً مهماً من زبائنها هم من الرؤساء والملوك والأمراء، وهي تقدم لهم استشارات بشكل شبه دائم.
تغيرت الأحوال بتغير الزمن ونظراً للسمعة السيئة للمنجمين، فقد غابوا عن الساحة، وأفسحوا المجال لمن يحبون أن يُطلق عليهم ألقاب (ملهمين أو فلكيين أو رؤيويين أو روحانيين…)، وهذه الألقاب وغيرها هي مرادف لتعبير المنجمين. لكن لكل زمان ألقاب وصفات.
أكثر ما يثير الاستغراب، هو ظهور مجموعة من المنجمين تحت عناوين صادمة مثل: محللين أو باحثين أو مفكرين أو… وهي ألقاب في مصدرها اللغوي الأساسي تحمل معنى العلمية والواقعية، ويفترض أن أغلبهم من خريجي الجامعات اللبنانية والعالمية في الإعلام والسياسة، أو من الذين خبروا الحياة السياسية لسنوات طويلة، ومع رؤساء ووزراء ومسؤولين توالوا على حكم هذا البلد.
لا يجادل أحد في أن كثيراً من الناس قد أدمن على متابعة الأخبار والبرامج السياسية بسبب الحروب المتتالية على لبنان، لكن عرض الأخبار وشرحها وتجميعها والتعليق عليها في سياق معين شيء، والتنبؤ بأحداث قد تحصل، وتحديد مواقيت لها شيء آخر.
لا ننكر أن بعض القضايا لها سياق متسلسل بحيث أن المتتبع لها يصل إلى معرفة شبه يقينية بخاتمتها، وذلك لأن عدد العناصر التي تشكلها محدود جداً، ومساراتها واضحة، لكن الأحداث العسكرية التي تجري في المنطقة قد تداخلت فيها عناصر كثيرة، وهذه العناصر متشابكة لدرجة يستحيل معها تتبع سياقاتها، وهو ما يجعل الخطوات اللاحقة لأي طرف فيها مبهمة، حتى لأكثر العارفين بخباياها أو الصانعين لها.
لقد ترابطت الأمور في المنطقة بشكل كبير ليس في لبنان فحسب، بل في كل دول المنطقة إن لم نقل في دول كثيرة من العالم، وأصبح الحدث البسيط في منطقة ما له تأثير واسع على ملفات عديدة سواء عسكرية أو سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو مالية أو فكرية. هنا يمكن القول إن ما يحدث هو مصداق للعولمة، لذا فإن الكلام عن مآلات ما يحدث ونتائجه فضلاً عن مواقيته يصبح ضرباً من التنجيم واللاعلمية.
لو تتبعنا تصريحات بعض السياسيين والإعلاميين والصحفيين والمحللين وأمثالهم منذ ستة أشهر حتى اليوم، لوجدنا أن الكثير منهم قد حدد العديد من المواعيد لحصول أحداث وحروب، لكنها لم تحصل، وهم بذلك تلاعبوا بأعصاب الجمهور وأتلفوا ما بقي من صبره وتحمله.
لنتذكر مواعيد أول شهر آب الماضي، ثم منتصفه، وبعدها مواعيد أيلول المتتالية سواء في حرب على لبنان أو على إيران، ولاحقاً الحديث عن الحرب قبل السابع من تشرين أو بعدها، ثم ربط كل ذلك بالانتخابات الصهيونية والأمريكية، وأن نتنياهو سيشن حرباً ليقوي موقفه في الانتخابات، أو أن ترامب سيفعل ذلك. واليوم الحديث عن ما بعد الرابع من تشرين الثاني، وبالتأكيد ستليها مواعيد كثيرة، الهدف منها أمريكياً وصهيونياً الضغط على إيران لتوقيع اتفاق يناسب مصالحهم. ولبنانياً الضغط على السلطة في لبنان للقيام بجهد عسكري ضد المقاومة، لكن من الواضح أن إيران والمقاومة في لبنان تُديران الأذن الصماء لكل تلك المواعيد والأكاذيب.
في لبنان يبدو أن هؤلاء (المنجمين) يريدون دوماً الحفاظ على وظائفهم وكسب لقمة عيشهم، ويكون ذلك بمزيد من التهديد والوعيد بالأمريكي والصهيوني وما يمكن أن يقوما به من حروب وقتل ودمار، وهم يسعون بذلك إلى ترهيب بيئة المقاومة وتخويفها.
لكن الحروب لا تُخاض بناء على رغبات أشخاص مهما علا شأنهم في الدول، حتى لو كان ذلك الشخص هو رئيس أمريكا أو رئيس وزراء العدو الصهيوني. فالحروب تخاض لمصالح دول سواء كانت هذه المصالح سياسية أو اقتصادية، نعم يمكن لهؤلاء الرؤساء الاستفادة بشكل شخصي منها إذا وقعت.
كما أن الحروب لو سلمنا أنها تخاض لمصالح شخصية كمثل ترامب ونتنياهو، فهي لا تخاض بمواعيد ثابتة ومحددة، بل تخاض بناء على معطيات عسكرية وسياسية، يمكن أن تتبدل هذه المعطيات لحظياً في هذه المنطقة الواقعة على فالق متغيرات لا متناهٍ.
قبل الختام نروي هذه القصة الشهيرة التي تُنسب تاريخياً إلى الزعيم السوفياتي جوزيف ستالين. فأثناء الحرب العالمية الثانية، دخل السكرتير أو الحارس على ستالين في مكتبه وقال له: “يا سيادة الرئيس، بالباب عرّاف (أو منجّم) يزعم أنه يعلم الغيب، وجاء ليعرض عليك خدماته لمساعدتك في التنبؤ بمستقبل الحرب”. فما كان من ستالين إلا أن أخرج مسدسه وأعطاه للحارس وأمره قائلاً: “اخرج واقتله فوراً”.
امتثل الحارس للأمر ونفّذ القتل، ثم عاد إلى ستالين مستغرباً وسأله: “لقد قتلته يا سيدي، ولكن لماذا؟ لقد جاء ليخدمنا ويبشرنا بالنصر!”. فأجابه ستالين بعبارته الشهيرة الساخرة: لو كان يعلم الغيب فعلاً، لَعلمَ أنه سيُقتل وما جاء إلينا بنفسه ليموت!
ليس المطلوب أن يتوقف أولئك المحللون السياسيون والصحفيون والإعلاميون عن تحليل تصريحات السياسيين، ولا عن دراسة ما يجري من أحداث سياسية وعسكرية، وإبداء رأيهم حولها، فهذا هو عملهم، لكن المطلوب هو أن يكونوا علميين في ذلك، وأن لا يكون ما يقومون به جزءاً من حرب نفسية يخوضونها إلى جانب العدو – من حيث لا يدرون – ضد أهلهم وشعبهم وأبناء وطنهم.



