رأي

لبنان وحزب الله واسرائيل وشهر تموز : يوليو بما مضى وبما هو آتٍ(جواد الهنداوي)

 

د. جواد الهنداوي – الحوارنيوز- خاص

           

الوقت المناسب هو اول وامضى سلاح في المعركة ، والتوقيت الصائب للمعركة يحدّدُ نتائجها . أولت اسرائيل اهتماماً كبيراً للسلاح في المعركة ، وعّولت عليه ، وأولى حزب الله اهتماماً كبيراً للعقيدة وللتوقيت في المعركة ، وعّول عليهما ،من دون اهمال السلاح .

 تمّرُ على الطرفيّن ،اليوم ،( حزب الله  والكيان المحتل ) ، ذكرى عملية الوعد الصادق ،التي نفذّها حزب الله ،في ٢٠٠٦/٧/١٢ ، في خراج بلدة عيتا الشعب الحدودية بين لبنان وفلسطين المحتلة ، والتي ادّت الى مقتل جنود اسرائيليين وأسر آخرين ، والتي دفعت اسرائيل لشّن حرب خاسرة على لبنان ،دامت ثلاثة وثلاثين يوماً .

 لمْ يكْ أقدام الحزب على عملية الوعد الصادق دون إدراكهِ لأمرين : الاول هو مناسبة الوقت للقيام بالهجوم ،والحزب هو مَنْ قررَ وقت الهجوم وليست اسرائيل . والامر الثاني هو رّدْ اسرائيل بحرب مُكلفة وخاسرة لحسابها . حينها حقّقَ الحزب اكثر من انتصار ؛ انتصاره في اختيار الوقت المناسب لشّن عملية الوعد الصادق ،والتي كانت ناجحة بكل المقاييس ، وانتصاره في الحرب ، التي اضطرت اسرائيل لشّنها ، وانتصاره بنزع قوة الردع من يد الكيان الاسرائيلي ، وانتصاره بزرع عقدة الخوف و التردّدْ في قيادات الكيان من الاقدام على شّنْ حرب جديدة تحقّق انتصاراً آخر لحزب الله .

   نتناول الموضوع ،عنوان المقال ،لسببين : الاول هو حلول ذكرى حرب يوليو تموز عام ٢٠٠٦ ،حرب غيّرت الكثير من المقومات و المعطيات الحاكمة لملفات الشرق الاوسط ، وفي مقدمة تلك المقومات والمعطيات هو ردع اسرائيل . انتقلَ عامل الردع مِنَ كف اسرائيل الى كف حزب الله ، أصبحَ الحزب هو الرادع . و أصبحَ مسار ونجاحات حزب الله تجربة في المنطقة يُحتذى بها .

والسبب الثاني هو منسوب التوتّر العالي ،  الذي تشهده الحدود اللبنانية الفلسطينية بين حزب الله والكيان المحتل ، حيث فشلت جميع الوساطات والجهود التي بذلتها اسرائيل مع فرنسا وأمريكا والامم المتحدة  من اجل اقناع الحكومة اللبنانية وحزب الله لازالة الخيمتين اللتين نصبهما  ناشطون لحزب الله في مزارع شبعا اللبنانية . يرفض حزب الله رفضاً باتاً ازالة الخيام و يرى انها في اراض لبنانية سيادية ، ومن حق المؤسسات الرسمية اللبنانية واللبنانيين الوصول والعمل في تلك الاراضي .

تجدُ حكومة تصريف الاعمال في لبنان وضعها في أمرٍ صعب ،فهي لا تستطيع أنْ تتخذْ موقفا يتماشى مع الطلب الاسرائيلي ،الذي نُقِلَ اليها والى حزب الله عن طريق عواصم اوروبية وعن طريق الامم المتحدة ، كون دولة لبنان تعتبر مزارع شبعا ،حيث توجد الخيام،  اراضي لبنانية ، ولبنان قد تحفّظ على مرور الخط الازرق الذي رسمته او وضعته الامم المتحدة عام ٢٠٠٠ عقب الانسحاب الاسرائيلي . كما لا يمكن لحكومة تصريف الاعمال في لبنان  ، التي التزمت الصمت امام قيام اسرائيل ، بتاريخ ٢٠٢٣/٧/٤ ، بضم كامل الجزء الشمالي اللبناني من بلدة الغجر الحدودية ( مثلث سورية فلسطين لبنان ) ، أنْ تطلب من المقاومة موقفاً يكرّس احتلال اسرائيل لمزارع شبعا وتصمتْ امام ضمّ اسرائيل للجزء الشمالي اللبناني لقرية الغجر اللبنانية ، وفي تجاوز صارخ لقرار الامم المتحدة رقم 1701 .

صمت حكومة تصريف الاعمال في لبنان ،  امام كلا الحالتين ( حالة الخيم في مزارع شبعا ، وحالة ضّم اسرائيل للجزء الشمالي اللبناني من قرية الغجر الحدودية ) يدّلُ على انها أوكلت الامر لحزب الله ، بتنسيق او بدون تنسيق ، لاسيما وأن اصواتا برلمانية ( خارج الثنائي الشيعي ،الحزب التقدمي الاشتراكي ) ، نددت بما تقوم به اسرائيل من تجاوزات في قرية الغجر و من استمرارها في أحتلال مزارع شبعا .

وربما يتساءل القارئ عن سبب قيام ناشطين لحزب الله ، في الوقت الحاضر ( شهر يوليو ) ، بنصب الخيمتين في مزارع شبعا بأمتار قليلة بعد الخط الازرق المرسوم من قبل الامم المتحدة عام ٢٠٠٠، الخط الذي لم يحظْ بموافقة الجمهورية اللبنانية حينها؟

الجواب هو أنّ اسرائيل اهدت الحزب مُناسبة للتحرك في مزارع شبعا وتأكيد لبنانية المزارع وحق اللبنانين بالوصول الى اراضيهم ، حين بدأت ومنذ مُدّة ببناء السياج الحديدي في بلدة الغجر الحدودية ، والذي اكتملَ نهاية شهر حزيران ، وبموجب الواقع الجغرافي الجديد للبلدة اصبح الجزء الشمالي اللبناني للبلدة ضمن الاراضي المحتلة من قبل الكيان .

 كما أنَّ الحزب ( مثلما اعتقد ) استبقَ التجاوز الاسرائيلي ومحاولته فرض سياسة الامر الواقع في بلدة الغجر الحدودية ، بتأكيد حقه في مزارع شبعا وفرض امر واقع جديد ، يتجاوب مع متطلبات السيادة اللبنانية .

نلاحظ اهتمام عواصم اوروبية والامم المتحدة و تقارير صحفية عن شكوى اسرائيل و توسطها بخصوص الخيم التي نصبها حزب الله في مزارع شبعا ، ونلاحظ تعتيما كاملا على ما قامت به اسرائيل بضّم الجزء الشمالي من بلدة الغجر الحدودية ، وبمخالفة صريحة لقرار الامم المتحدة رقم 1701 ، الاهتمام الرسمي الدولي  والاعلامي لواقعة خيمم حزب الله .

 وغّضْ النظر وتجاهل ما قامت به اسرائيل في بلدة الغجر الحدودية ، هو في الحقيقة ،تمهيد لتوجيه الاتهام الى لبنان والى حزب الله ،عند اندلاع حرب بين اسرائيل و حزب الله .

مؤشرات من كلا الطرفيّن ( حزب الله والكيان المحتل ) ،تّدلُ على التصعيد  والذهاب نحو خيار المواجهة ؛ لا تراجع من قبل الحزب في ازالة الخيام إلاّ إذا افترضنا قبول الحزب عند قيام اسرائيل بإزالة السياج الحديدي الذي شيدته في بلدة الغجر ، ونعتقد أنه افتراض مُستبعدْ .

يعّولُ الحزب على قدراته القتالية  والتسليحية ، وهذا ما لا يُخفيه ،ويراهن الحزب ايضاً على الظرف الدولي الراهن وانشغال امريكا ، راعية الكيان ،بحربها مع روسيا ،في اوكرانيا ، وحربها الاقتصادية مع الصين وفي تداعيات تآكل نفوذها في المنطقة ،كما يراهن الحزب على الوضع الداخلي المأزوم في اسرائيل ، وحالة الترّدي على كافة الصُعدْ . ويمكن ان يكون الوضع الداخلي الاجتماعي  والسياسي المتدهور في اسرائيل حُجّة  وذريعة نتنياهو للهروب نحو شنّ حرب مع حزب الله ،يحسبها محدودة في الزمن  والاثار ، وقد يبرّر ذهابه الى خيار الحرب بآراء وردت في تقرير للمجلس القومي الاسرائيلي ،الذي يوصي بخيار مواجهة عسكرية محدودة مع حزب الله ،في حال عدم امتثال الحزب للمدة التي وضعها مجلس وزراء الكيان لازالة الخيام .

يعّول حزب الله ايضاً على حال الكيان وهو يخرجُ تواً مهزوماً من معركة جنين، ويخشى تموزا آخر يعيده بالذكريات الى تموز عام ٢٠٠٦ .

أصبحَ لدى حزب الله سلاحٌ آخر هو سلاح ” الوقت المناسب”.

*سفير عراقي سابق ورئيس المركز العربي الأوروبي للسياسات وتعزيز القدرات- بروكسل

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى