سياسةمحليات لبنانية

قراءة في الشخصيات اللبنانية المضطربة

يشتكي صاحبي :
"ضجيج ، ازدحام ، توتر ، الناس كلّها على عجلة من أمرها، صراخ ، نزاع، شجار ، أكثر الناس عاقدة لحواجبها  عابسة الوجه ومتأففة حتى غدا الفرح إستغرابا والضحك من القلب نادر عند الأمسيات.
-ما بها الناس يا رفيقي؟"

–لن أقول لك اقتصاد واجتماع ومال و هموم مدارس، لا، سأقول لك بما هو أسوأ، أنّها شخصيات مريضة.
كأنّا يا رفيقي كلّما اكتشفنا في ذاتنا حريق وأطفأناه
ينفجر فينا  بركانا من التعاسة كإثمِ وندم وانهزام،
كأنّا كلّما إقتربنا مسافة من الجواب وجدنا أنفسنا نخطو بسرعة نحو أسئلة صادمة و أصعب.
أصاب مظفر النواب حين قال:
"…قتلتنا الرده
ان الواحد منا يحمل في الداخل ضده…"
سأخبرك عن أكثر الشخصيات المريضة التي تلتقيها في لبنان لعلّك تنتبه  فالناس يا رفيقي كما قال الإمام علي، نيام إذا ماتوا انتبهوا.

1-شخصية البارانويا:
وهو يا رفيقي ذاك الذي تجده مفرط التحسس عند الفشل ، لا بل لا يتحمل الفشل، يميل للحقد وعدم المسامحة، يميل للشكّ الدائم ويرتاب من كلمات وحركات من حوله، يشرح الكلمات والأحداث من حوله وفق منطقه المرتاب و الحذر ودائماّ ضدّ نفسه، يحدثك دائما عن حقوقه المهدورة والمصادرة وعدم نيله لحقوقه الشرعية والقانونية والأخلاقية وأن فيه من القدرات ولديه من الامكانيات ما لا تجده عند آخر، في كلامه إنتقام وشيك، عزم و شدّة ، صعب المراس وصعب إقناعه مهما قدمت له من البراهين والحجج وإن أطلت معه الحديث يختصر ففي عيونه خبر وإن أخطأ فلن يعتذر وأخطر ما فيه إن ساعده الحظ وتولى منصبا قياديا في دولة او حزب او مرجعية دينية او في شركة فسريعا ما سيصطدم بالآخرين بتهمة التآمر وستكون حينها الجرائم بتهمة الخيانة و هو أكثر من يعلن الحرب الاستباقية والوقائية والويل الويل ان وجد في سلك أمني وصاحب هذه الشخصية غالبا ما تهجره زوجته او يرتاد المحاكم الشرعية والمدنية منشغلا في دعوى ضد احدهم وضد القاضي وضد المحكمة كلها.

2-الشخصية التابعة او المنقادة:
وهؤلاء يا رفيقي يتسمون بالسماح للآخرين أن يقرّروا عنهم لا بل يحثّونهم ويشجعونهم على ذلك وهم يقدّمون حاجات الآخرين على حاجاتهم الخاصة والأساسية رغبة في نيل شرف رضاهم لانهم ينساقون بسهولة لارادة الآخرين وهم يخجلون عند الطلب بأدنى حقوقهم ويرتبكون عند الدفاع عما يمتلكونه لا بل هم يشعرون بالحسرة والتوتر والحصر إن ابتعد الأقرباء او الآخرون عنهم لأنهم لا يتحملون الوحدة لانهم يعتقدون بأنهم لن ينجحوا بتدبير أمورهم ولقلة ثقتهم بأنفسهم  ان  يقرروا ما عليهم أن يفعلوه لأنهم يخشون المسؤولية وتبعاتها من احتمال الخطأ والفشل لذلك تجدهم بحاجة للتطمينات الكثيرة والمتكررة.
هؤلاء يا رفيقي يلعبون بإمتياز دور الجماهير ويجيدون التصفيق ببراعة و يتفننون برفع الدعاء والابتهال وهم من يتمنون ان تكون اوراحهم للرب او للقائد او للحبيب او للعائلة فداء ، هؤلاء هم جرحى وشهداء وضحايا كل حرب وهؤلاء ينفذون الأوامر بطاعة طمعا بكسب رضى اولياء الأمر لأن حركتهم اليومية تقررها فتاوى او ارشادات او قرارات الآخرين.

3- الشخصية الغير متزنة المتمردة اللا اجتماعية.

وما أكثرهم في الشارع ، تعرفهم من أصواتهم العالية والتاتو الذي يزين أجسادهم ، تصل أصوات دراجاتهم النارية اليك قبل ان تنعم عينيك بلقياهم، يرفعون الدراجة النارية على دولاب واحد وسط جادة طريق سريعة اللهب وكثيرة الحفر ، لا تهمهم مشاعر الآخرين ولا تهمهم أراؤهم، سلوكهم غير مسؤول، يحتقرون النُظم العامة ولا يقبمون وزنا للعادات والطقوس ،أستفزازيون، يستسهلون الصراع واراقة الدم، ماهرين بالسرقة و إداء الابتسامات قبل الجريمة، يستسهلون تعاطي وترويج وتجارة المخدرات، لهم أدمغة رائعة في استغلال الآخرين والمناورة عليهم، لا يصمدون في علاقات دائمة مع أحد، سريعوا التحول لأناس عدوانيين، تراهم في الحروب يتقنون لعب أدوار البطولة إنما يبرعون في سرقة الشقق، بنادق الشهداء،في قلع الاسنان الذهبية من جثث الموتى، هم الذين يتفنون في طريقة حمل الأسلحة من سواطير و فؤوس مع علامات فاضحة لرموز دينية او اباحية او لابطال مشهورين ، ينتفضون بسرعة ضد من يعتقدونهم سببا لحرمانهم ولظلاميتهم واكثر ضحاياهم أهلهم اولا والجيران ثانيا ، أزمتك معهم انهم لا يستفيدون من تجاربهم ولا يشعرون حقيقة بالذنب ولو أنهم يخبرونك قصتهم مع دمعة في العين معبرين عن ندمهم، هؤلاء لا يطلبون مساعدة طبيب وغالبا ما يأتي بهم اليك رجال الشرطة او أمر معاينة من محكمة ما.

4-الشخصيات الوسواسية .
أما هؤلاء يا رفيق فإنك تعاني معهم من السأم والضجر فحديثهم يكرّر نفسه وموضوع نقاشهم لا يتبدل ولو تبدلت الكلمات والنغمة لأنهم أسرى لأفكارهم الثابتة وضحايا لتفاصيل منهكة في حياتهم اليومية، حذرين، متأففين دوماً، لا يعجبهم العجب ولا الصيام في رجب، يشكون في طهارة ما حولهم وأن سألتهم صاحوا بالحذر من النجاسة وفق المرجع فلان وأن خفت نوبات الطهارة و النظافة لديهم تبدلت فكرة النجاسة والوساخة عندهم لفكرة أخرى كاقتراب الموت والهلع السريع او عدوى الامراض ، كل سيل أفكارهم يتمحور حول الفكرة القاهرة التي تسيطر عليهم، أنيقون، يحبون الترتيب، يعشقون الاشياء ان تكون متوازية، عنيدون، صلبون، عشرتهم صعبة، يرهقون من يعيش معهم من سلوكهم الصارم واسئلتهم التي لا تنتهي، يعتبرون السبب الرئيسي للجلطة القلبية وارتفاع ضغط الدم والسكري لشركائهم في الحياة،يدققون كثيراً ويشكون كثيرا ويجرون كل انواع الأبحاث ليلموا بموضوع ما.
عادة تقديم اطروحتهم يمتد لسنوات طويلة لقناعتهم الدائمة ان عملهم ناقصا وهم يطمحون للكمال والمثالية، مجتهدون في دراستهم لأنهم يتحضرون أكثر مما هو مطلوب منهم للنجاح.
إن تسألني عنهم فهم يختبؤون بعلتهم كمتدينين في المساجد والكنائس وهم المتطرفون في أفكارهم العقائدية فإما هم يسار اليسار و أما هم يمين اليمين، إن وصلوا الى السلطة تحت قيادة اصحاب شخصية البارانويا كانت الحروب والمجازر وسحق التراث ونبش التاريخ  للثأر، كل ذلك في خدمة العقيدة التي تصبح فكرة وسواسية قاهرة.

"يتبع"

-نعم ، أعتقد أن الكلام انتهى وحان وقت الفراق
— متى سيقتلونك ؟
-لا، أعرف لكنهم قد تأخروا كثيراً، لماذا تسأل؟!
–كي لا اتناول القهوة حيث تكون في المقهى عند الرصيف في شارع الحمراء.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى