سياسةمحليات لبنانية

قراءة أُخرى للجريمة الارهابية في طرابلس عشية العيد

لا بد في البداية من التأكيد ان علينا انتظار انتهاء التحقيقات الامنية وجمع المعلومات  حول الحادث الارهابي الذي ضرب طرابلس في شمال لبنان فجر عشية عيد الفطر السعيد ، وادى لاستشهاد ضابط وثلاثة عناصر من الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي وسقوط جرحى من المواطنين، ومن خلال هذه التحقيقات والمعلومات يمكن تحديد ابعاد هذه الجريمة الارهابية ودلالاتها.
ملاحظات اولية
لكن بانتظار انتهاء هذه التحقيقات يمكن تسجيل عدد من الملاحظات والمعطيات المتوفرة والتي يمكن ان تساعدنا في تشكيل صورة كاملة عن هذه الجريمة الارهابية.
ومن هذه الملاحظات والمعطيات :
اولا : ان هذه العملية الارهابية قد تكون الاولى بعد ثلاث سنوات من اخر عملية ارهابية حصلت عبر الهجمات الارهابية في بلدة  القاع البقاعية  في حزيران 2017،  وبعد ان نجح لبنان في القضاء على المجموعات الارهابية في جرود عرسال والقاع ، واكتشاف العديد من الشبكات الارهابية التي كانت تخطط لعمليات ارهابية ، وقد حقق لبنان نسبة عالية من الامن الوقائي عبر اكتشاف العمليات قبل حصولها واعتقال عشرات الارهابيين قبل تنفيذهم للعمليات.
ثانيا : تمت العملية بعد مرور حوالي الشهرين من نشر تقارير دبلوماسية واعلامية عن انتقال عدد كبير من مقاتلي تنظيم داعش الى خارج سوريا والعراق ،والتحضير لعمليات ارهابية في عدد من الدول العربية والاوروبية والافريقية والاسيوية، وتزامنت هذه العملية مع عودة تنظيم داعش للتحرك مجددا في العراق ومصر ودول اخرى ،  ومع عودة التصعيد العسكري في سوريا في ارياف ادلب وحماة وحلب ، ما يؤشر الى عودة اجواء التصعيد في المنطقة.
ثالثا: تزامنت العملية مع اجواء التصعيد السياسي والمذهبي في لبنان والصراعات بين الاجهزة الامنية ، وتدخل القوى السياسية في عمل الاجهزة الامنية والقضائية والنقاشات حول التدبير رقم 3 ودور الجيش اللبناني والقوى الامنية في ضبط الامن، ما يشير الى وجود زعزعة في الاجواء السياسية والامنية وحصول ثغرات في الاجراءات الامنية بعد حالة تراخي في بعض الاجراءات وازالة العديد من الحواجز في مختلف المناطق وعشية التحضيرات لعيد الفطر السعيد وموسم الاصطياف المقبل.
رابعا: من يقرأ كتاب " ادارة التوحش" يدرك ان اسلوب وتوقيت تنفيذ العملية هو تطبيق عملي لما في هذا الكتاب ،والذي يدعو للاستفادة من المناسبات الدينية واستهداف الاماكن السياحية وعناصر الجيش والاجهزة الامنية من اجل زعزعة الاستقرار الامني والسياحي وادخال البلاد في حالة توتر.
خامسا : ان احتجاز منفذ العملية في سجن رومية لفترة لم تمتد لاكثر من سنة، تشير الى انه ليس بالضرورة ربط التنفيذ بما يجري في السجن، وان كانت قضية الموقوفين الاسلاميين تحتاج لحل ومعالجة ، كما ان وضع السجون يحتاج لمعالجة شاملة ، لكن من الواضح من خلال المعطيات التي نشرت عن تنقل الارهابي وعلاقاته في سوريا وتركيا ، انه ينفذ خطة مسبقة وان ما يقوم به جزء من امر عمليات ارهابي.
سادسا: لمن يعرف طريقة تفكير المنتمين للتنظيمات الارهابية المتشددة، يدرك ان اي ارهابي لا يقوم بأي عملية دون خلفية فكرية او دينية او شرعية وانه يأخذ الموافقة على ذلك ، والاستماع لوصية الارهابي ورسالته لزوجته يؤكد انه يقوم بعمل مخطط له وليس مجرد رد فعل.
سابعا: ان هكذا عمليات ارهابية لا يمكن ان ينفذها شخص بمفرده وانه يحتاج لدعم لوجيستي وعملاني ومالي، وهذا الامر يجب ان يؤدي للبحث عن الشركاء والممولين ومن اعطى الاوامر.
خلاصات واستنتاجات
على ضوء كل هذه الملاحظات الاولية وبانتظار اكتمال التحقيقات والمعطيات من قبل الاجهزة الامنية والمخابراتية والقضائية، فإن ما يمكن استنتاجه اننا اليوم امام مرحلة جديدة من العمليات الارهابية التي قد تطال لبنان في المرحلة المقبلة .وهذا يتطلب اعادة البحث بالخطط الامنية واتخاذ الاجراءات المناسبة واعادة التنسيق والتعاون بين كل الاجهزة الامنية ،ووقف الصراعات والسجالات السياسية ، لان المجموعات الارهابية تستفيد من نقاط الفراغ واجواء الصراعات والتشنج من اجل اعادة تفعيل دورها.
وبموازة ذلك فان هناك مسؤولية كبيرة على المؤسسات الدينية ومؤسسات المجتمع المدني والقيادات السياسية والدينية ووسائل الاعلام، لاعادة لعب دور فاعل في مواجهة الارهاب ونشر التوعية ، ويمكن العودة الى الدراسة الهامة التي اعدتها مؤسسة "كارنيغي" قبل حوار الاربعة اشهر حول اوضاع المجموعات المتشددة في لبنان وكيفية صناعة الارهابيين في لبنان ، كما انه ينبغي اعادة دراسة اوضاع السجون وخصوصا سجن رومية ،لأنه تحول الى مركز لاعداد الارهابيين ومقر من اجل التواصل وتلقي الاوامر لتنفيذ بعض العمليات ، كما ان معالجة ملف الموقوفين الاسلاميين مهم جدا من خلال تطبيق القوانين والاسراع بالمحاكمات والافراج عن كل بريء وادانة كل مجرم ، واما قانون العفو فهو يحتاج لمقاربة جديدة تراعي المتغيرات والتطورات في لبنان والمنطقة.
*باحث في العنف الديني والحركات الاسلامية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى