سياسةمحليات لبنانية

قالت الصحف: الهيركات سقط بالضربة القاضية

 

الحوارنيوز – خاص
ركزت الصحف اللبنانية في افتتاحياتها صباح اليوم على الخطة المالية والاقتصادية التي تعدها الحكومة ،وأجمعتعلى أن التوجه نحو اقتطاع مبالغ من أموال المودعين لم يعد واردا بسبب المعارضة الشديدة له .

• صحيفة "النهار" عنونت:" الهيركات بالضربة القاضية والمعارضة الى الإنعاش" وكتبت تقول:"  ‎لم يكن اللبنانيون يحتاجون الى مناسبة او محطة وطنية او ذكرى لكي تتاح لهم المقارنات ‏بين ظروفهم القاهرة والشديدة القتامة راهنا والظروف التي رافقت وواكبت تلك ‏المحطات. ومع ذلك لا يمكن الانكار ان مرور الذكرى الـ 45 لتاريخ 13 نيسان 1975 امس ‏مرورا كاد يكون هامشيا لم يكن تفصيلا عابرا، اذ ان هذه الذكرى التاريخية لاندلاع شرارة ‏الحرب في لبنان بدت للمرة الأولى بهذه المقدار كأنها في المرتبة الخلفية لاهتمامات ‏اللبنانيين نظرا الى تفاقم الأوضاع المالية والاقتصادية والمعيشية في البلاد على نحو ينذر ‏باوخم العواقب وسط إجراءات التعبئة العامة والحجز المنزلي الذي تفرضه عاصفة الاجتياح ‏الوبائي لفيروس كورونا.


واذا كانت موجبات التعبئة والحجز المنزلي الإلزامي تبدو مرشحة ‏للاستمرار فترة إضافية غير قصيرة خلافا للانطباعات المتسرعة التي تحتاج الى تصويب ‏سريع لدى الذين يبنون تفاؤلهم على انخفاض عدد الإصابات بكورونا في حصيلة يوم ‏الاثنين، فان وقائع الازمة المالية والاقتصادية لا تقل تأزما واثارة للشكوك والحسابات ‏المتسرعة أيضا خصوصا متى انكشف الوضع الحكومي عن تخبط وارتجال وتضارب في ‏المصالح والحسابات بين القوى نفسها التي يضمها التحالف الحكومي. وبدا واضحا تبعا ‏للتطورات المتصلة بالخطة الحكومية الجاري استكمال نقاشها في جلسات متعاقبة لمجلس ‏الوزراء تعقد في السرايا برئاسة رئيس الحكومة حسان دياب وستكون من ضمنها الجلسة ‏التي ستعقد بعد ظهر اليوم ان الحكومة وصلت الى الاصطدام بطريق مسدود حيال هذه ‏الخطة او اقله حيال نقاط حيوية فيها بسبب تفجر الملف الملتهب والمشتعل المتعلق بما ‏سرب عن الاقتطاعات المقترحة من ودائع اللبنانيين في المصارف أي اعتماد عمليات ‏الـ"هيركات".


وتشير المعطيات التي اتضحت عقب موجة الرفض الواسعة التي شهدتها ‏الأيام الأخيرة لاعتماد عمليات "هيركات" او أي مس بالودائع في المصارف ان الحكومة لن ‏يكون في قدرتها المضي قدما في نقاش الخطة الموصوفة بانها انقاذية ما لم تلجأ الى ‏واحدة من خطوتين:
اما الإعلان بمنتهى الوضوح والشفافية اليوم عقب الجلسة وعلى لسان ‏رئيس الحكومة ما يبدد نهائيا وفي شكل حاسم كل الشكوك التي أثارها التسريب المقصود ‏الذي حصل لاقتراحات اعتماد الاقتطاعات من الودائع بما يهدئ موجات الرفض والحملات ‏الحادة التي شنت على الحكومة، واما تصويب هذا الخطأ السياسي والمالي والإعلامي ‏الفادح الذي ارتكبته الحكومة او جهات محددة فيها من خلال تصويب جدي وجوهري للخطة ‏يعيد النقاش الى محاور بديلة ومجدية وإسقاط أي بحث من شأنه الإيحاء بان تعويض ‏الإفلاس والانهيار سيأتي من طريق التضحية تكرارا بحقوق اللبنانيين البديهية. والحال ان ‏تراجع الحكومة او اضطرارها الى إعادة تصويب النقاش الحكومي الداخلي والنقاش العام ‏حول خطتها المالية لم يعد امرا احتماليا وانما تمليه أولا موجات الرفض السياسية والشعبية ‏الواسعة لمسألة الاقتطاعات المالية من الودائع.
وثانيا لان الحكومة باتت تواجه وضعا ‏داخليا شديد الهشاشة والاهتزاز عقب غسل معظم القوى يديها من تبعة الخطة وإعلان ‏ابرزها مواقف رافضة لها. وثالثا لان المفاعيل السياسية لهذه الخطة وخصوصا في ‏موضوع الـ"هيركات" أدت الى نشوء معالم إعادة التماسك والتنسيق وإنعاش تحالف ثلاثي ‏للمعارضة أطرافه الرئيس سعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط ‏ورئيس حزب "القوات اللبنانية " سمير جعجع. وتفيد المعطيات المتصلة بالموضوع الأخير ‏ان اتصالات وجهودا تجري لاحياء التحالف المعارض وتذليل عقبات سابقة باعدت بين ‏الأركان الثلاثة او بين بعضهم وتحديدا الرئيس الحريري وجعجع، وان الفترة المقبلة ستشهد ‏تسخينا لهذه الجهود نظرا الى الضغوط الكبيرة التي تملي إعادة ابراز وجود معارضة ‏متماسكة. ولا يقتصر الامر على الابعاد الداخلية اذ ان أي رهان على مساعدات خارجية او ‏دعم خارجي للبنان لن يكون مجديا ما لم تقم معارضة برفع الصوت الذي يحدث توازنا ‏سياسيا ويجعل الخارج يقدم الدعم لئلا تصبح صورة السلطة الأحادية اللون مختصرة للوضع ‏امام المجتمع الدولي. وقد جاء موقف لـ"حزب الله " امس على لسان نائبه علي عمار ‏ليشكل مؤشرا جديدا من المؤشرات المثيرة للتوجس حيال امكان خضوع الحكومة لضغوط ‏الحزب في الملف المالي والاقتصادي، اذ شن عمار هجوما شرسا على القطاع المصرفي ‏وحاكم مصرف لبنان بلغ حدود شيطنته تحت ستار دفاعه عن ودائع الناس. وجاء ذلك في ‏معرض مطالبة عمار الدولة بضرورة "وضع يدها على من استساغ ان ينال من ودائع الناس ‏عبر جمعية المصارف او غيرها خصوصا اذا ما أضفنا اليها دورا شيطانيا لما يسمونه حاكما ‏للمال في لبنان‎".‎
‎ ‎
في كل حال وبعدما سقطت الـ"هيركات" بالضربة السياسية القاضية جاءتها ضربة أخيرة ‏نزعت عنها أي مظلة من خلال موقف رافض لرئيس الجمهورية ميشال عون اعلن عنه ‏عشية جلسة مجلس الوزراء اليوم. وفي هذا السياق أكدت مصادر مطلعة على موقف ‏الرئيس عون "انه ليس في وارد القبول بمسألة الهيركات وانه ابلغ المعنيين موقفه الرافض ‏منذ فترة لكنه لا يدخل في الجدل القائم حول هذه المسألة او في الحملات التي تستهدف ‏الحكومة لانه لا يتخذ مواقف شعبوية خصوصا ان موضوع الهيركات لم تطرحه الحكومة ‏ولم تقدم أي اقتراح في شأنه والهيركات ليست واردة عند الرئيس عون في المطلق‎ ".‎

• صحيفة الأخبار" عنونت:" سقوط الهيركات تسرَع بيع الدولة" وكتبت تقول:" طارت الـ"هيركات" قبل أن تصبح اقتراحاً. غالبية "الطبقة الحاكمة" ‏تكفّلت بالقضاء عليه. ثم صار الحديث عن بيع الدولة أكثر جرأة. الذريعة ‏هي ببساطة أن الدولة هي التي تتحمّل أغلبية الدين، وهي التي يُفترض أن ‏تتحمل جزءاً من المسؤولية. هنا ليس مهماً من أدار دفة الدولة وأفرط في ‏انتهاك ماليتها، الأهم أن هؤلاء منتخبون، وإعادة انتخابهم صكّ براءة لهم

رغم أن مسودة الخطة الحكومية لمعالجة خسائر الدولة لم تتضمّن صراحة اقتراح "قص الودائع" (هيركات)، إلا أن ‏هذا الاقتراح سقط بالضربة القاضية. التيار الوطني الحر والحزب الاشتراكي وتيار المستقبل وحركة أمل عطلوا ‏مفعوله قبل وصوله إلى المهد، ثم أتى الحرم الديني ليقضي عليه. لم يكن ينقص سوى دار الفتوى، الذي دبّج سيدها ‏بياناً، وصل فيه إلى اتهام السلطة بشن حرب اقتصادية "لسلب أموال الناس بالباطل من المصارف‎".‎

ليس رئيس الجمهورية بعيداً عن التوجه المعارض للهيركات. مصادر بعبدا عمّمت أمس أنه ليس في وارد القبول ‏بهذه الخطوة. وقالت إنه أبلغ المعنيين بموقفه هذا منذ فترة، لكنه لا يدخل في الجدال القائم حولها، خصوصاً أن ‏الموضوع لم تطرحه الحكومة ولم تقدم أي اقتراح بشأنه‎.

لا "قصّ شعر" للودائع إذاً. وبالتالي، فإن النقاش سيفتح مجدداً في آلية الوصول إلى تسديد الخسائر التي تقدرها ‏الخطة بـ83 مليار دولار، لكن ذلك لا يعفي أن لكل من المعترضين حساباته وأسبابه لرفض "مساهمة المودعين". ‏المزحة السمجة هي في الإشارة إلى أن المطلوب أولاً استعادة الأموال المنهوبة. تلك نغمة يكثر سماعها على لسان ‏الناهبين أنفسهم، وهؤلاء يدركون أن ما من قوة ستحاسبهم، وما من قوة ستسحب منهم ما راكموه من ثروات على ‏مدى سنوات طويلة من الهدر والسرقة، وإن ينص اقتراح الحكومة على التدقيق في حسابات مشبوهة لموظفين‎.

كان المطلوب ضريبة على الثروة لمرة واحدة. وتلك الضريبة ليست اختراعاً لبنانياً، وبالتالي فإن اللجوء إليها في ‏حالة الإفلاس قد يكون أكثر من ضروري، في بلد لطالما أعفى الأغنياء من الضريبة العادلة على الدخل، وأمّن لهم ‏كل أدوات التهرب الضريبي، وأولاها السرية المصرفية‎.

لم يناقش أحد في تفاصيل هذه الضريبة، أو الفئة التي يجب أن تشملها. قد يعترض البعض على تخفيض السقف إلى ‏‏100 ألف دولار، وقد يطلب البعض أن تطال من يملكون ما فوق مليون أو 10 ملايين دولار، لكن النقاش انتهى ‏عند حدود الحق المقدس في الملكية. ما الحل إذاً؟ الكل يدور حول أملاك الدولة. بيع الدولة هو "حلهم الوحيد" الذي ‏ينقذ مصرف لبنان وأصحاب المصارف والمودعين الكبار، الذين هم في الغالب سياسيون أو نافذون بين السياسيين ‏وشركائهم وواجهاتهم وأقاربهم. والحل أيضاً هو تحجيم القطاع العام‎.

مبرر "الحقد" على الدولة من أصحاب الدولة أنها هي التي تسببت في وصول المديونية إلى ما يقارب 100 مليار ‏دولار. والدولة هنا ليست سوى السلطة، التي كانت تحفر قبر البلد بيديها. مجلس الوزراء يقدم مشاريع قوانين ‏موازنة بعجز كبير، ومجلس النواب يصدّق. والكل يدرك من أين يسدد العجز. من الاستدانة. وهنا مصرف لبنان ‏لم يكن يعترض، كما فعل عندما انهار الهيكل. يموّل العجز عبر هندسات تدرّ المليارات على أصحاب المصارف ‏من جهة، ثم يعود فيؤكد متانة العملة من جهة أخرى. وبذلك، كانت السلطة السياسية تستدين لتبذّر وتهدر وتسرق، ‏والسلطة النقدية تؤمن لها كل ما يلزم للقيام بذلك، فيما المصارف تقامر بأموال المودعين، عبر الموافقة على حصر ‏غالبية "استثماراتها" في الدين العام‎.
يختصر أحد النواب المتمولين الموقف بالتالي: لا يمكن للحكومة أن تكتفي بالإشارة إلى أنها لم تطل في خطتها 90 ‏في المئة من المودعين، ثم تتجاهل أن الـ10 في المئة الباقين يشكلون الاقتصاد والاغتراب ويدخلون الدولارات إلى ‏البلد ويبنون المشاريع. يضيف: هؤلاء لا يمكن مخاطبتهم على طريقة أموالكم لم تعد لكم من ناحية، ثم نطلب منهم ‏من الناحية الأخرى أن يسهموا في عملية الإنقاذ. من سيكون مستعداً لتحويل الأموال مجدداً إلى لبنان، يسأل. لذلك ‏يعتبر أنه قبل الحديث عن الخسائر وكيفية تسديدها، يجب الإضاءة على كيفية الوصول إلى الوضع الراهن والعمل ‏على عدم تكراره‎.‎

الحديث يزداد عن ضرورة توزيع المسؤوليات والخسائر بشكل عادل. وهنا، لا يكفي أن تدفع المصارف 20 مليار ‏دولار من رأسمالها، ربما ينبغي أن يفرض على أصحابها الذين ثبت سوء إدارتهم لأموال الناس، أن يسهموا من ‏أموالهم الخاصة‎.

يوضح نائب اقتصادي أنه عندما تخلفت الحكومة عن الدفع وعدت بإصلاحات، أين أصبحت هذه الإصلاحات؟ ‏وعلى سبيل المثال، ما فائدة أي عملية قص للودائع، إذا بقي مزراب الكهرباء مفتوحاً؟ ألم يكن الأولى بالحكومة أن ‏توضح للرأي العام ما هي خطتها لوقف استنزاف الموازنة من قبل قطاع الكهرباء؟ ألم يكن الأولى أن يسارع ‏مصرف لبنان إلى إلزام المصارف بتخفيض الفوائد على القروض، والتي لا تزال تتخطى العشرة في المئة، بحجة ‏ارتفاع الفائدة على الودائع المجمّدة لآجال طويلة؟‎

من ضمن مروحة المسؤوليات يأتي دور المودعين. هنا يلين المعترضون عند الإشارة إلى إمكانية استعادة جزء ‏من الفوائد المرتفعة التي أعطيت للمودعين منذ العام 2016، وخاصة عبر الهندسات المالية‎.

خلاصة كلام معارضي الهيركات أن الدولة، كشخص معنوي، تتحمل مسؤولية جزء كبير من الانهيار، وهي لا ‏بد أن تسهم في الخروج منه. كيف ذلك؟ هنا تصل الزبدة مجدداً: من خلال بيع ما تملكه، أو مشاركته مع القطاع ‏الخاص، بعد إجراء تقييم لممتلكاتها وممتلكات مصرف لبنان. لكن ماذا عن مسؤولية من بدّد هذه الأموال، ولماذا ‏يتحمل الشعب اللبناني، المالك الفعلي لأملاك الدولة، كلفة سوء الأمانة؟ يجيب نائب في كتلة كبيرة: ببساطة، لأنه ‏هو من أتى بهذه الطبقة إلى الحكم، وهو بتكرار انتخابها إنما يشرّع لها سرقتها! وفق هذه "النظرية"، يجري ‏البحث عن حلول للأزمة‎.‎‎ ‎

• صحيفة "الجمهورية" كتبت عن هذا الموضوع تحت عنوان:" الخطة المالية تطوق السلطة" تقول:" …عن الترنّح الذي أصاب خطة الحكومة، الاّ انّ وضع هذه الخطة من ‏أساسه كشف حقيقة أنّ المواطن اللبناني ومنذ البداية، كان ضحيّة عمليّة تضليل مفضوحة ‏ومتعمّدة من قِبل القيّمين على هذه السلطة، اكّدت بما لا يقبل أدنى شك، أنّ كل ما قيل عن ‏حماية ودائع اللبنانيين، ما هو الاّ كلام تخديري من فوق الطاولة، وأما من تحتها فكان ‏هؤلاء ينصبون منصّة اعدام لمدخرات اللبنانيين.‏
‏ ‏
واذا كانت هذه الخطة، وبعد موجة الاعتراضات التي واجهتها، باتت يتيمة، حتى ‏الحكومة التي أعدّتها، لم تجرؤ على تبنّيها، بل هربت الى الامام واعتبرتها اوليّة تحتاج ‏الى درس طويل ومعمّق، إلاّ أنّها في المقابل اماطت اللثام عن المنحى الخطير الذي يسلكه ‏بعض أهل السلطة في اتجاه ارتكاب الخطيئة الكبرى بحق المودعين، دون أن يقدّرهؤلاء ‏عواقب هذه الجريمة، وأقلّها دفع البلد الى ثورة اجتماعية وفوضى عارمة تتجاوز كل ‏الحدود وما تسمّى محظورات ومحرّمات!‏
‏ ‏
عملياً، أسقطت الاعتراضات "خطة السطو على ودائع اللبنانيين"، لكن الحكومة لم ‏تسحبها من التداول، بل على العكس ما زالت تدرجها كبند اول للنقاش. وبقدر ما انّ ‏السؤال ملحّ حول ما بعد سقوط "مسودة السطو"، فإنّ الاكثر إلحاحاً هو محاولة الوقوف ‏على الدافع من وراء إعدادها، والإصرار على طرحها وتقديمها، بوصفها السبيل الوحيد ‏المتوفر أمام السلطة لإخراج لبنان من ازمته، والضرب بعرض الحائط سيل المطالبات ‏الشعبية والخارجية المتتالية للسلطة، بسلوك المنحى الإنقاذي الطبيعي الذي يبدأ وينتهي ‏عند اتخاذ خطوات علاجيّة إصلاحيّة لمكامن الخلل في جسم الدولة، وكذلك عند المقاربة ‏المسؤولة لمحميَّات الفساد، ومصير الاموال المنهوبة، والمهدورة، والمهرّبة وتحديد ‏الناهبين والهادرين والمهرّبين ومحاسبتهم، وكذلك تحديد رجال الاعمال واصحاب ‏رؤوس الاموال الكبيرة المتمتِّعين بغطاءات سياسية، الذين استفادوا منذ العام 2015 من ‏الهندسات المالية، وحققوا ارقاماً خيالية من الفوائد على حساب الخزينة، وهرّبوا اموالهم ‏الى الخارج، وبالتالي استعادة هذه الأموال التي تقدّر بمليارات الدولارات، ومحاسبة ‏‏"المهندسين"!‏
‏ ‏
لماذا؟
‏ ‏
وبموازاة الرفض الشعبي لخطة "الهيركات"، تقاطعت تحذيرات الخبراء الاقتصاديين من ‏آثارها الكارثية على لبنان، فيما لو وضعت موضع التنفيذ، مع المواقف الاعتراضية عليها ‏سواء من داخل الطاقم السياسي الحاضن للحكومة أو من قِبل المعارضة، التي وضعت ‏بدورها جملة اسئلة برسم الحكومة:‏
‏ ‏
كيف يمكن لسلطة ان تضع خطة تعرف سلفاً انّ المواطن اللبناني سيرفضها؟
وكيف يمكن لسلطة مسؤولة ان تغطي لصوص الخزينة ومرتكبي الموبقات، وتقدّم من ‏خلال خطة "الهيركات" صك براءة لهؤلاء، عبر تدفيع المواطن اللبناني من امواله، ‏فاتورة ارتكاباتهم وسرقاتهم واختلاساتهم لأموال الخزينة على مدى سنوات طويلة؟
وهل انّ هذه السلطة بخطتها هذه تمهّد منذ الآن لتخيير اللبنانيين لاحقاً بين أن يقبلوا بخطة ‏‏"الهيركات"، وبين أن يذهبوا الى وضع كارثي اقتصادي ومالي لا قيامة منه؟
‏ ‏
معترضون
‏ ‏
ويبرز في هذا السياق، الاعتراض الصريح عليها من رئيس "تيار المستقبل" سعد ‏الحريري، الذي اعتبر الخطة بمثابة انتحار اقتصادي، ومن رئيس حزب "القوات ‏اللبنانيّة" سمير جعجع، الذي اعلن رفض "خطة تعكف على تأمين موارد من جيوب ‏الناس وتبقي مزاريب الهدر والفساد مفتوحة، وكذلك من رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي ‏وليد جنبلاط، الذي اتهم حكومة اللون الواحد بمصادرة اموال الناس لإلغاء اي اعتراض، ‏مبدياً الخشية من محاولة نسف الطائف والسيطرة على مقدرات البلد. ويبرز في موازاة ‏ذلك، موقف "التيار الوطني الحر"، الذي اكّد على لسان رئيسه جبران باسيل، الذي قال" ‏انّ اموال المودعين في المصارف حق لهم وستعود اليهم بشكل او بآخر، وأي كلام آخر ‏هو للمزايدة"، متسائلاً: "هل تعود للناس والدولة الاموال المنهوبة على يد من تحكّم ‏بالمال والاقتصاد منذ العام 1990"؟
‏ ‏
عون: الهيركات مرفوض
‏ ‏
ويبرز ايضاً موقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، حيث كشفت مصادر قريبة من ‏بعبدا أنّ موقفه من الهيركات معروف، وسبق أن أبلغ من ناقَشه بهذا الأمر بأنه خطوة ‏مستحيلة، لا بل هو أمر مرفوض ولا يمكنه القبول بمثل هذه الإجراءات.‏
‏ ‏
وقالت المصادر انّ عون لا يريد الدخول في الجدال القائم حول هذه المسألة او في ‏الحملات التي تستهدف الحكومة، كما لا يريد ان يدخل في أي سجال قد يكون قائماً على ‏مواقف شعبوية مرفوضة في مثل هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد.‏
‏ ‏
الهيركات لن يمرّ
‏ ‏
على انّ الموقف الاعتراضي الحاد جاء على لسان رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الذي ‏ارسل في الاتجاه الحكومي رسالة صريحة مفادها، انّ المجلس النيابي لن يشرّع النصب ‏والسطو على اموال المودعين ومدخراتهم.‏
‏ ‏
وقال بري: "هذه الخطة، ليست خطة وزير المال، ونحن لسنا موافقين عليها على ‏الاطلاق. وفي اي حال، مصادرة ودائع الناس لن تمرّ. نحن كنا من اشد المؤيّدين لتعليق ‏دفع سندات "اليوروبوند"، ونحن الآن من اشدّ المعارضين لـ"الهيركات" والمسّ بودائع ‏الناس، الذين لا ناقة لهم ولا جمل في ما وصلت اليه الامور".‏
‏ ‏
ويؤكّد بري رداً على سؤال حول المصارف: "انا لست على الاطلاق مع ضرب القطاع ‏المصرفي، لأنّه لا قيامة لأي اقتصاد ما لم يكن هناك قطاع مصرفي قوي وسليم، ولكن ‏كل من أخطأ، او كان جزءاً من منظومة الفساد والهدر وتهريب الاموال، يجب ان يتحمّل ‏المسؤولية عمّا قام به".‏
‏ ‏
دياب وخليل
‏ ‏
وعُلم في هذا الاطار انّ موضوع الخطة الحكومية كان مدار بحث على مدى ساعتين ‏ونصف في الساعات الاخيرة في السراي الحكومي، بين رئيس الحكومة حسان دياب ‏والمعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، الذي نقل الى رئيس ‏الحكومة موقف بري "الرافض بشكل قاطع لخطة الـ هيركات، وهو أمر لا ينفصل عن ‏رفضه القاطع لقَوننة خطة "الكابيتال كونترول"، والمسّ بودائع اللبنانيّين التي يعتبرها ‏برّي من المقدّسات الممنوع المسّ بها".‏
‏ ‏
الخطة قائمة
‏ ‏
المثير في الأمر انّ الأجوبة الحكومية عادت الى الدوران في الحلقة الاولى، عبر التأكيد ‏غير المُقنع بأنّ ودائع اللبنانيين محميّة، في وقت ما زالت الجهات الحكومية المعنيّة بهذه ‏الخطة تعتبرها مادة مطروحة للنقاش، فيما أكد وزير المال غازي وزنة انّ ما حُكي ‏عن"هيركات" ليس دقيقاً، علماً انّ هذا الامر يتطلّب قانوناً في مجلس النواب.‏
‏ ‏
تعديل الدستور
‏ ‏
وفي هذا السياق، قالت مصادر قانونية لـ"الجمهورية" انه "بصرف النظر عن ‏الاعتراض السياسي على "خطة الـ هيركات"، فإنّ هناك استحالة في قوننتها في مجلس ‏النواب، ذلك انها لا تتطلب قانوناً عادياً، بل تتطلب تعديلاً دستورياً، في البند "و" من ‏مقدمة الدستور التي تنصّ على انّ "النظام الاقتصادي حر يكفل المبادرة الفردية والملكية ‏الخاصة"، وهذا معناه انّ حقوق اللبنانيين بودائعهم مكفولة بالدستور". وبالتالي، لن ‏يجرؤ اي طرف سياسي ان يظهر في مجلس النواب في موقع الداعم للـ"هيركات".‏
‏ ‏
وتلفت المصادر الانتباه الى انّ مُعدّي الخطة، يبدو انهم استندوا في مسألة الـ"هيركات" ‏الى المادة 15 من الدستور التي تؤكد على انّ "الملكية في حِمى القانون، فلا يجوز ان ‏ينزع عن احد ملكه الّا لأسباب المنفعة العامة في الاحوال المنصوص عليها في القانون، ‏وبعد تعويضه منه تعويضاً عادلاً". الّا انّ هذا الاستناد جاء مبتوراً وبطريقة انتقائية من ‏نفس المادة، حيث أجازت "خطة هيركات" فقط "نزع الملكية"، الا انها لم تُشِر من جهة ‏ثانية الى التعويض العادل الذي يفترض ان يتأمّن قبل النزع، للمستهدفين به. بل على ‏العكس طرحت السؤال: كيف نعوّض على المودعين"؟
‏ ‏
ليست نهائية
‏ ‏
في هذا الوقت، قالت مصادر حكومية لـ"الجمهورية" انّ الحكومة ماضية في وضع ‏برنامجها الانقاذي، وما تم تسريبه عن خطة الحكومة ليس صيغة نهائية ولم تلتزم بها ‏الحكومة مسبقاً، بل هي صيغة ما زالت مطروحة للنقاش، علماً انّ ثمة استعجالاً من قبل ‏بعض القوى في إطلاق الحكم النهائي على خطة الحكومة.‏
‏ ‏
وأشارت المصادر الى ما سَمّتها "مبالغات في بعض المواقف، وخصوصاً انّ الحكومة لم ‏تتخذ قراراً نهائياً في شأن ما هو مطروح أمامها. وبالتالي، فإنّ الخطة تتطلب تمحيصاً ‏معمّقاً فيها قبل إطلاق الاحكام النهائية عليها، واذا كان هناك افكار وتعديلات مطلوب ‏إدخالها، فيمكن ان يعالج هذا الامر بالنقاش الهادىء والموضوعي والمُجدي، وليس ‏بالمزايدات السياسية، خصوصاً ممّن كانوا السبب الاساس في الازمة وإيصال الوضع ‏الاقتصادي والمالي في لبنان الى ما هو عليه حالياً".‏
‏ ‏
شرح عبر السكايب
‏ ‏
وفي سياق متصل، علمت "الجمهورية" انّ عملية شرح لخطة الحكومة عبر ‏‏"السكايب"، جَرت في الساعات الاخيرة، وتولّاها بعض مستشاري رئيس الحكومة، امام ‏اللجنة المصغرة المنبثقة عن لجنة المال والموازنة، والتي تضم رئيس لجنة الشؤون ‏الخارجية في المجلس النائب ياسين جابر ورئيس لجنة المال والموازنة النائب ابراهيم ‏كنعان. وتبيّن من هذا الشرح انّ التوجّه جدي ليس فقط الى الـ"هيركات"، بل الى إقران ‏ذلك بسلّة ضرائب جديدة. وبرز في الاجابات التي أبديت حيال هذا الشرح، ما يلي:‏
‏ ‏
‏- أولاً، انّ الخطوة الاولى التي بدأت مع تعميم مصرف لبنان حيال اصحاب الحسابات من ‏‏5 ملايين ليرة و3 الاف دولار فما دون، صحيح انها يمكن ان تريح هؤلاء الى حد ما، ‏لكنّ المستهدفين في خطة الحكومة يعدّون بما يزيد عن 100 ألف حساب، ومن بينهم ‏مجموعة ممّن يشكلون الاقتصاد في لبنان، فهم أصحاب رؤوس الاموال التي تنشىء ‏مصانع وشركات في شتى المجالات وتفتح المجال لتوظيفات، فإذا ما تمّ ضَرب هؤلاء، ‏فكأنه ضرب مباشر وقاتل للاقتصاد اللبناني، فضلاً عن انّ غالبية المستهدفين هم من ‏المغتربين، الذين كانوا يشكّلون العصب المالي للاقتصاد اللبناني، وهم المضخّة الدائمة ‏والوحيدة للعملة الصعبة الى لبنان. فإن استهدف هؤلاء، وصودِرت أموالهم، فمن جهة ‏ستقضي على جنى عمرهم وتعبهم، ومن جهة ثانية سينكفئون ولن يلتفتوا الى لبنان على ‏الاطلاق.‏


‏- ثانياً، الثغرة الكبرى في خطة الحكومة انّها تشخص الازمة وتحدّد حجم المبالغ ‏‏"الطايرة"، بما يفوق الـ86 مليار دولار. ففي دولة تحترم نفسها، هناك الكثير ممّن هم ‏شركاء في بَلع هذه الاموال يجب ان يكونوا في السجون.‏


‏- ثالثاً، تلحظ الخطة سلة كبيرة من الضرائب؛ زيادة الضرائب على الارباح من 17 الى ‏‏20 %، زيادة الرسوم على فوائد الودائع التي تزيد عن مليون دولار من 10 الى 20 %، ‏رفع الضرائب على الدخل بالنسبة الى الرواتب المرتفعة من 25 الى 30 %، زيادة ‏الضرائب على أرباح الرساميل من 10 الى 15 %، رفع الـTVA‏ على السلع الفاخرة من ‏‏11 الى 15 %، زيادة سعر صفيحة البنزين الى 25 الف ليرة وتثبيتها على هذا السعر، ‏وضع رسم 1000 ليرة على صفيحة المازوت. تضاف الى ذلك بنود تتعلق بموظفي ‏القطاع العام، وأخرى تركّز على نظام التعويضات والتقديمات للأسلاك العسكرية، وهو ‏أمر يُنذر بمواجهات حامية تنتظر خطة يُفترض انها إنقاذية.‏


إنّ تقييم الخبراء الاقتصاديين لهذه الضرائب هو شديد السلبية، "فغالبية الشركات ‏والمؤسسات الخاصة في لبنان في تراجع رهيب منذ تشرين الاول الماضي، ولقد انحدرت ‏الى مستويات دون الصفر جرّاء فيروس كورنا، اي انّ معظمها قد أفلس وأقفل، والباقي ‏منها "مَخروب بَيتو"، فإذا زيدت الضرائب عليها، فمن أين ستدفع؟ وكيف ستدفع في هذا ‏الوضع المهترىء؟ خلاصة ذلك انّ الضرائب الجديدة ستدفع هذه الشركات الى التوقف ‏والاقفال. كما تلحظ الخطة رفع الضريبة على الفوائدة من 10 % الى20 % فهذا أمر ‏يمكن ان يحقق فائضاً فيما لو كانت معدلات الفائدة مرتفعة كما كانت من قبل (10 % ‏و11 % و12 %)، ولكن أيّ فائض سيتحقق من وضع ضريبة على الفوائد اذا كانت ‏نسبة الفائدة اليوم بحدود 2 %؟".‏


خامساً، كل ما هو ملحوظ في الخطة لا يطبّق بقرارات من مجلس الوزراء بل يتطلّب ‏قوانين من مجلس النواب، ومن الآن ينبغي التأكيد انّ مرورها في مجلس النواب مستحيل. ‏من هنا، فإنّ كل مندرجات الخطة لا قيمة لها، لأنّ المطلوب قبل هذه الخطة أمران:‏
‏ ‏
الاول، توفر قرار سياسي يؤكد انّ النهج السابق قد تغيّر، وهذا ما لا تعكسه الخطة.‏


الثاني، أن تقدّم الحكومة للناس خطوة إصلاحية واحدة لكي تثق بها، وتصدّق انّ نيّاتها ‏سليمة وتسعى الى الانقاذ الجدي، فعلى الاقل ان تقدّم خطوات اصلاحية، وهو امر لم تقم ‏به الحكومة أصلاً، ما يعني انّ كل كلام عن اصلاح وإنقاذ ما هو سوى كلام بكلام.‏
‏ ‏
المصارف
‏ ‏
في السياق ذاته، قالت مصادر مصرفية لـ"الجمهورية": إنّ المصارف لن تقبل بأن يُمسّ ‏برأسمالها، مُحذّرة من انّ شطب ودائعها بالشكل الذي تحضّر له الحكومة، معناه انّ لبنان ‏مُقبل على انهيار مصرفي كارثي، وأيّ شطب سيوقف اي إيداعات، إذا كان ذلك من ‏الداخل أو من الخارج. هناك مسؤول وحيد هو الدولة، التي عليها ان تدفع ديونها.‏
‏ ‏
وعلمت "الجمهورية" انّ بعض محامي جمعية المصارف وجّهوا كتاباً الى شركة ‏‏"لازار" التي أعدّت الخطة الحكومية، تعبّر فيها عن اعتراضها على هذه الخطة وتحذّر ‏من مخاطرها على لبنان بشكل عام وعلى القطاع المصرفي بشكل خاص.‏
‏ ‏
أين الودائع؟
‏ ‏
الى ذلك، أكدت مصادر مالية مسؤولة لـ"الجمهورية" انه على الرغم من المطالبات ‏المتتالية لمصرف لبنان لطمأنة اصحاب الودائع، فإنّه لا يستطيع ذلك!‏
‏ ‏
وأوضحت "انّ أصل المشكلة هو انّ المواطنين بادروا الى إيداع اموالهم في المصارف، ‏والمصارف بدورها قامت بإيداع ما نسبته 90 % من هذه الودائع في مصرف لبنان، ‏ومصرف لبنان تصرّفَ بهذه الودائع، وقدّمها كديون طلبتها الدولة لسداد العجز المتنامي ‏في بعض القطاعات وقيمتها نحو 50 مليار دولار".‏
‏ ‏
أضافت المصادر: "الفجوة الكبرى هي انّ الدولة لم تسدّد ديونها لمصرف لبنان، علماً انّ ‏الخطيئة الكبرى التي ارتكبها مصرف لبنان بحقّ البلد، هي بقبوله "تديين" الدولة وإتباع ‏ذلك بهندسات مالية ثبت فشلها. ثم كيف يمكن لمصرف لبنان او المصارف او غيرها ان ‏تقول إنّ الودائع محمية، طالما أنها غير موجودة؟ واقع الحال انّ الـ50 مليار دولار التي ‏طارت من مصرف لبنان استَدانَتها الدولة، فمن هنا ينبغي ان يتم البحث عن العلاج ‏المطلوب، وأوّل العلاج أن تبدأ الدولة بدفع ديونها الى مصرف لبنان، لكن الدولة بوضعها ‏الراهن عاجزة عن الدفع.‏

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى