سياسةمحليات لبنانية

في إصلاح الدولة… ما يلزم وما لا يلزم


أمّا  بعد، …
بعد خفوت الصخب وسكون الساحات وسلوك الطرقات وتواجُهْ الشوارع واقتراب لحظة الحقيقة، ومن قراءة "هادئة" (وسطحية وتبسيطية وسريعة) في الورقة "الإقتصادية" الحكومية الأخيرة موصولة بموازنة 2020 التي … ذهبت مع الريح، وكانت قد رسمت "معالم" ورسّخت "ثوابت" (؟؟) رأينا فيها ما يأتي:
– عدم صوابية (كي لا نقول أمرًا آخرًا !) ومناسبة ومواءمة النهج الإداري والنموذج الإقتصادي الذي اعْتُمِدَ منذ العام 1993 بدليل أنّه أمكن، وخلال أقل من 72 ساعة (مقابل 27 عامًا) قلب أهمّ المفاهيم و"المبادىء" المعتمدة فأمكن إصدار موازنة للدولة لا تتضمّن (نظريًّا) أيّ ضرائب إضافية على القابضين على جمر العوز.
– أمكن، مع ما سبق أيضًا، جمع كلّ وجميع تناقضات الكتل والأحزاب والمرجعيات الحكومية والبرلمانية والسياسية والزمنية وغيرها حول أهداف الورقة المقترحة.  عجبًا !
     ومحتوى بنودها (بأرقامها) تقول لنا:
1- في خفض رواتب الوزراء والنواب وتعويضاتهم الخ… أنّ كلّ ما تمّ تسديده لهم سابقًا في هذا المجال كان هدرًا وبالتالي يتوجّب إستعادته عبر المطالبة بإعادته،
2- في إلغاء جميع الصناديق (الورقة) أو في إبقائها (الموازنة) مع تخفيض موازناتها الإستثمارية بمقدار 70% (الأمر الذي يشلّ كلّ عملها فعليًّا) يعني أن هذه المجالس والصناديق والهيئات لا لزوم لها وبالتالي يتوجّب إلغاءها،
3-4-5- وضع سقف للرواتب والمخصّصات وخفض جميع الرواتب … الى حدود قصوى وبالتالي يتوجّب أن يطبّق على هذه الإجراءات المفعول الرجعي غير المرتبط بأي مرور للزمن.
– ومن الإجراءات الإقتصادية الإجتماعية يتوضّح أنه يمكن الإستغناء عن المجلس الإقتصادي والإجتماعي حيث كان يجب أن يدور النقاش بشكل دائم حول كلّ ما قد تسبّب بانتفاضة الناس، منذ موضوع السلسلة، وتُلغى معه اللجان المتصلة مثال لجنة مؤشّر الأسعار وغيرها،
– وممّا شهدناه وتابعناه خلال هذه الفترة وفترات سبقت من تجاوزات "شاشاتية" يبدو أنّه لا حاجة أيضًا للمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع،
– ومن الإحتجاجات من كلّ جنس ونوع وعمر وصنف يظهر أيضًا أنّه يقتضي إلغاء كلّ وجميع المجالس والهيئات "الوطنية" "التطوعية" التي تدّعي تمثيل المرأة أو الطفل أو الشباب أو… أو… وخاصة "المحميات" منها ومخصّصاتها ومعها كلّ ما يتصل بالعلاقات مع حركات وعناوين وشعارات تصدرفي الخارج وتبقى بلا صلة بالإنتاج الوطني وإحتياجات الناس،
– والتظاهرات الحالية معطوفة على إحتجاجات نفايات العام 2015 تحتّم علينا إلغاء كلّ ما في الوزارات والإدارات والمجالس والمواقع من مخصّصات ومختلف "العطاءات" التي تبغى الترويج لتحسين "صورة" لبنان في غياب "إجماع وطني" حول الصورة التي نريد للبنان الظهور فيها،
– من ملاحظتنا غياب أركان و"جماهير" النقابات العمالية، على أنواعها وإنتماءاتها، من الساحات ينبغي إلغاء جميع الإتحادات العمالية وما إليها،
– مع هذا كلّه ومع عدم العمل على العودة للإستفادة من طرق التصدير البرية الى الجزيرة العربية عبر معبر نصيب (يفتح الباب أمام إستعادة لبنان لمليار دولار سنويًّا من النشاط الإقتصادي) ومعبر البوكمال (بمقدار ملياري دولار سنويًّا)  الى جانب عدم ذكر أي إجراء يسهّل تأسيس وعمل شركات الإستثمار الوافد بما كان يؤمّل أن يصبح النافذة الموحّدة للأعمال (One Stop Shop) وغيرها من الإهمالات تشير الى وجوب إلغاء مؤسّسة إيدال المولجة أساسًا مهام تأمين هذه الأمور،
– أما التقصير في مواجهة أحداث الحرائق ال 104 الأخيرة وانكشاف عدمية الطائرات ذي المهام الإطفائية يوجب  إلغاء هيئات الطوارىء العليا (والأقل علوًا) والتصرّف بالمعدّات والآليات قيد الصدأ بغية توفير مبالغ صيانتها كما والنزعة الى المبالغة في الكلام عنها،
23- وبما أنّنا، وبشطبة 72 ساعة، قرّرنا أن نخصخص أهمّ المرافق المُرْبِحة في الدولة قبل تحديد أدوات الرقابة والمتابعة وتنظيمها والسهر على تأمين المنافسة العادلة والجودة من أجل مصلحة المستهلك فالأمر يدعو الى إلغاء المجلس الأعلى للخصخصة،
– وببقاء أعلى سلطة نقدية في البلاد من دون نواب حاكم لشهور طالت (بعد التذكير بأنه كان أعلى منصب منها قد ذهب الى الوزارة من دون تعيين بديل له حتى عاد إلى منصبه بعد سنتين) يدلّ على إنتفاء الحاجة لهذه المناصب، فلتلغى أيضًا من باب عصر النفقات،

إذ نسوق هذه الملاحظات العابرة، بعد الإعتراف بأنّه يمكن إضافة الكثير من مثيلاتها عليها، نقول أنها أتت من باب النظر إيجابًا الى الموضوع وليس من زاوية النقد السلبي.  فمهما كانت خلفية إصدار الورقة المتسرّعة والموازنة المُسرّعة، فهي سلّطت الضوء على مكامن الخلل وفتحت المجال أمام إمكانية تقليص حجم الدولة، هذا المطلب الليبيرالي الدائم و"العظيم"، من طريق إختصار المؤسّسات والمناصب والمصاريف معًا.

هذا في إيجابيات الموضوع، أمّا في السلبيات فتأتي من القول الرسمي، وبكلّ ثقة مستحقّة، أن الإنجاز (الكبير) سيكون في ميدان مكافحة الفساد (فجأةً أيضًا) من طريق أنّ مموّلي مشاريع "سَيَدُرْ"، الذين، هم والشعب اللبناني، لا يثقون أساسًا بالدولة اللبنانية، سيحضرون شخصيًا الى لبنان لينفّذوا مشاريعه، بغضّ النظر عن أولوياتها، بواسطة شركاتهم وموادهم وتقنياتهم وطاقاتهم الخارجية.  ونكون قد خسرنا الفرصة  بتكرار الأمر مرّة جديدة بعد ما حصل من إعمار مسرّع في تسعينيات القرن الماضي كان جلّه بسواعد وإمكانيات الخارج وما فوّته ذلك على اللبنانيّين من فرص عمل وخبرة وتقدّم في جميع المجالات.  هذا الأمر سيتم بحجّة أنه "بهذا" نكون قد أغلقنا باب الفساد.  لا بدّ أن نرى في ذلك رسالة الى كلّ اللبنانيّين تقول لهم أن الفساد سيبقى معمَّمًا في إداراتنا المختلفة والى الأبد.  هذه رسالة الى شباب لبنان، المتعلّم من بينهم خاصة والمبدع والمخلص في العمل والمنتظِر فرصه، ننهي من خلالها أمله في المشاركة فيما يعتقدون أنه سيكون نهوض البلد، وهي دعوة جديدة لهم بالسعي الى الهجرة.
وعلى طبيعة المسؤولين اللبنانيّين الذين عامةً ما يفعلون الشيء ونقيضه، لاحظنا توجّهًا "إجتماعيًّا"، كي لا نقول إشتراكيًّا، في بداية الورقة الحكومية، وهو أمر نادر، تواجهه طامة ليبرالية متوحّشة كبرى في آخرها، الأمر الذي من شأنه أن يأخذ الجماهير الى بلاد الحيرة (مجدّدًا)، هل نفرح أو نحزن ؟  هل هذه الإجراءات هي تغييرية، طبقية، معقولة، عصبية،عنصرية، زبائنية، تحزّبية، خداعية أم جدّية وقد ورد فيها التناقض المُفْسِدْ للتصديق ؟  والأهمّ من كلّ ذلك يبقى السؤال عمّن سيتولّى تنفيذ هذا كلّه وقد عدنا الى لعبة تجهيل الفاعل، في الفساد، وقد نذهب الى تجهيل الفعل على أن يبقى المفعول به معروفًا دائمًا ؟  والناس في الساحات تطالب بتنفيذيّين من ذوي المنسوب العالي من المصداقية ؟  أما الشارع فقد جمع، مع الأسف،  "يلّي مَعُنْ" و"يلّي ما مَعُنْ" (الموسَرين والمعدمين) (the Haves and the Havenots) أي جمع الفاعل والمفعول به فضاعت البوصلة. 
هذا الوضع يعيد تحريك الأسلوب الساخر عندي فاستعيد واقعة سبق لي أن ذكرتها وهي عن  برتهولت  بريخت
(Bertolt Brecht, 1989 – 1956) ، الشاعر الألماني وكاتب مسرحيات ومدير المسرح وقد اعتُبِرَ من أبرز كتّاب المسرح في القرن العشرين، والذي خلص الى القول: "وقد اعتبرت الحكومة أنّ الشعب خسر ثقة الحكومة فمن الأسهل أن تحلّ الحكومة الشعب وتنتخب شعبًا آخر!…"
هذه مجرّد ملاحظات للتأمّل.
وعليكم السلام.
بيروت، في 3 تشرين الثاني 2019.                                                        حيّان سليم حيدر
                                                                    باحث، ما زال،..عن فسحة من الأمل.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى