سياسةمحليات لبنانية

عندما يصبح عدم تقديم الحساب مؤشرا على الفساد


بعد ظهر اليوم كانت أخبار وقائع المؤتمر الصحفي لمدير المالية العام حول حسابات المالية العامة تصلني تباعاً عبر الرسائل القصيرة، لتجد لها صدىً في ذاكرتي !. ومساءً، عدت إلى محفوظاتي لأبحث فيها فوجدت بين ما كتبته بين 2001 و 2010، من فترة عملي في ديوان المحاسبة، مقالاً بهذا العنوان وهاكم ما ورد فيه:
عندما تنفصل ملكية المال عن إدارته توضع لذلك قواعد وضوابط يفترض أن تحكم تداوله والتصرف به لحفظه من أي ضرر يمكن أن يلحق به نتيجة الخطأ أو الغش أو الانحراف، على ان ينتهي الأمر بـ "تقديم حساب" حول نتائج تلك الإدارة وذلك التصرف،  فكيف عندما يكون المال عاماً تعود ملكيته للشعب الذي انتخب نواباً فوضوا وزيراً للمالية يدير المال العام عن هذا الشعب ولمصلحته ؟
الجواب بسيط وهو يأتي من الدستور الذي نص على إنشاء ديوان المحاسبة وأوجب تقديم حسابات المالية العامة ونتائج تنفيذ موازناتها، إليه سنوياً ليتولى تدقيقها ووضع ملاحظاته عليها قبل إقرار موازنة جديدة يأذن فيها للحكومة مجدداً بتنفيذ موازنة جديدة.
بالمقابل ماذا يعني عدم تقديم الحساب ؟
الجواب: في الحالات الاستثنائية، يعني عدم تقديم الحساب فقدان أهم العناصر اللازمة لاتخاذ القرار واستطلاع اتجاهات اوضاع المالية العامة وتعذر الحكم على صوابية توجهات الحكومة وسلامة التصرف بالمال العام في تلك السنة،  ويوجب البحث في الظروف التي حالت دون تقديم الحسابات ضمن المهل، وفي حال تفهمها، إعطاء فرصة معقولة لتجاوز الظروف ومعالجة الأسباب وبالنهاية تقديم الحساب.  
أما عندما يستمر التعذر ويتفاقم التأخر، ويصبح الاستثناء هو القاعدة، ويبدو أن الأمور تجري بعكس المرتقب، مع تطوير النظم والمكننة وزيادة عدد العاملين وإشراك المصارف وغيرها من مؤسسات القطاع الخاص لمساندة أجهزة وزارة المالية والتخفيف عنها، لنجد أداء وزارة  المالية في تراجع. فهي بعدما كانت تتأخر في تقديم حساباتها إلى ديوان المحاسبة باتت عاجزة حتى عن إعدادها، بعد سبعة عشر عاماً من الإنفاق على مشاريع التطوير وإعادة الهيكلة.
إن البحث في خلفيات هذا الواقع والظروف المحيطة والأسباب التي أدت إليه، يطرح التساؤل حول خلفية هذا الواقع وما إذا كانت الأمور ناتجة عن مجرد تقصير أم عن تجاوز الأصول وعدم احترام القواعد وانتهاك الضوابط عن سابق تصور وتصميم؟ وما صلة ذلك بالفساد؟.
أليس الخروج عن الأصول وعدم احترام القواعد وانتهاك الضوابط، وباستغلال السلطة والانتفاع على حساب المال العام تعبير عن فساد! ماذا يعني أن تكون لبعض الحكومة أو من يختصرها ولأقاربهم والمحسوبين عليهم ومن ينوبون عنهم  مصالح وأسهم وحصص في شركات تستثمر في قطاعات الخدمات العامة فتحول المواطن إلى زبون؟ 
وكيف تتكرس نتائج الفساد في إدارة شؤون الدولة ومصالح المواطنين؟ أليس بتراكم الدين وفوائده وتقبّل نتائجه كأمر واقع نتحمل تبعاته وتكلفته وتلتزم الأجيال القادمة بسداد أقساطه، دون أن يكون هناك من يسأل أو يسأل بضم الياء؟
لمباشرة هذا البحث وتحديد أوجه الشبه بين ما نحن عليه اليوم من حجم دين عام وتراجع في أداء الإدارة المالية للدولة وغموض يكتنف حقيقة أوضاعها المالية، لا بد من جمع الملاحظات والربط بين مظاهر المشكلة والممارسات التي واكبت، لا بل ساهمت في الوصول إلى هذا الواقع، ومنها الصلاحيات والثقة الواسعتين التي أعطيت لوزير المالية من غير حدود والتسهيلات التشريعية التي أعطيت للحكومات المتعاقبة، في المجال المالي، تمثلت بما يلي:
1. إحياء مواد من قوانين موازنات الخمسينات والستينات تعطي وزير المالية صلاحيات واسعة في مجال الإعفاء من الغرامات والسماح بنقل الاعتمادات من الموازنة العامة إلى موازنات مجلس الإنماء والإعمار لتنفق بعيداً عن رقابة ديوان المحاسبة المسبقة وحتى المؤخرة .
2. خروج قرارات مجلس الوزراء عن الضوابط وصدور بعض هذه القرارات بصيغ ملتبسة، وتكرار إجراء التصحيحات عليها، من قبل أمين عام مجلس الوزراء، وتجاوز مجلس الوزراء لصلاحياته، لا بل انتهاك الدستور،  حيث ابتدع الموافقة على تطبيق مشاريع موازنات السنوات الأخيرة دون إقرارها في مجلس النواب. 
3. الإستيلاء على أموال البلديات من خلال وضع اليد على أموال الصندوق البلدي المستقل والإنفاق على حساب حقوق هذه البلديات لسنوات مقبلة.
4.    اعتبار البلديات عاجزة عن القيام بأبسط مهامها.
5. التعامل مع الهبات وكأنها منحة وهبت للحاكمين يتصرفون بها في الظل بعيداً عن الضوء وأصحاب الصلاحية في وزارة المالية، يغلفونها بأكثر من قرار وتعميم وتدبير وتعديل وتصحيح يتجاوز الوجهة المعطاة من أجلها، بحيث ينفق وزير المالية عبر تسلطه على مديرية الخزينة ودون علم المدير العام للوزارة، وعلى سبيل المثال، معظم الهبة التي قدمها الاتحاد الأوروبي لدعم الإصلاح المالي على رسوم الطلاب ومساهمات الأهل في المدارس الرسمية عبر الهيئة العليا للإغاثة .
     الخزينة وما أدراك ما الخزينة عندما تتحدث عن حسابات الهبات والحسابات الخاصة خارج الموازنة وكيف يتصرف وزير المالية بها دون حسيب أو رقيب فينفق منها على المحاسيب المطيعين والمؤيدين والمتفهمين والمتساهلين مع الخروج عن قواعد المحاسبة العمومية "المعيقة" و"غير المرنة".
مؤشرات تدل على عدم الرغبة لا بل النية في عرقلة وتأخير إعداد الحسابات:
1. نقل رئيس فريق المحاسبة القادر على إنجاز الحسابات وتعيينه رئيساً لدائرة ضريبة الأملاك المبنية، وتعيين مراقب من ضريبة الأملاك المبنية رئيساً للفريق.
2. عزل مدير المحاسبة العامة بمذكرة، بسبب كثرة اعتراضاته ومنها اعتراضه على قيود تتعلق بقيد إيرادات وهمية سجلها مصرف لبنان لصالح الخزينة على أنها حصة الدولة من فروقات ارتفاع أسعار الذهب بهدف تخفيف العجز والتلاعب بالنتائج الحقيقية لتنفيذ الموازنة العامة .
3. المجيء بموظف من دائرة ضريبة الأملاك المبنية إلى مديرية المحاسبة العامة  لحوالي ستة أشهر، يحال بعدها إلى التقاعد.
4.  إعادة مدير المحاسبة المعزول بمذكرة إلى المحاسبة العامة قبل وفاته بقليل.
5. تعيين مراقب ضرائب رئيسي مديراً غير أصيل للمحاسبة العامة. 
6. تعيين مديرة للمحاسبة وعزلها بعد فترة وجيزة بعد طلب المدير المكلف إحالته إلى التقاعد.
7. تعيين مدير جديد للمحاسبة العامة غير أصيل، رأى أن إعادة النظر بالحسابات القديمة وإجراء التصحيحات عليها يستوجب عمل فريق من 250 محاسباً لمدة سنتين على الأقل ………….
كيف يمكن لعاقل أن يتصور إمكانية إعداد حسابات نظامية صادقة وسليمة في ظل عدم الاستقرار هذا! وماذا يجب ان ننتظر عندما يصبح عدم تقديم الحساب مؤشراً على الفساد؟
                                                       6 آذار 2019                                    غسان بيضون

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى