رأي

عقيدة الضاحية الصهيونية.. والتكرار الذي يؤكّد الغباء (أحمد حوماني)

 

بقلم د. أحمد موسى حوماني – الحوارنيوز

 

 نشأنا على مجموعة من المقولات التي استطاع العدو الصهيوني أن يرسخها في أذهان العرب جميعًا، منها أن جيشه لا يُقهَر، ومنها أن الكيان الصهيوني هو دولة ديمقراطية، ومنها أن الصهاينة هم من أذكى البشر. وعليه، يمكن إقامة نوع من التعاون بين العقل الصهيوني والمال العربي لتحقيق الرفاه والسلام في كل منطقة غرب آسيا. 

إن فكرة تزاوج العقل الإسرائيلي والمال العربي، هي مقولة شهيرة أطلقها رئيس وزراء الاحتلال الأسبق شيمون بيريز في كتابه” الشرق الأوسط الجديد” الصادر عام 1993، وبلورت هذه الرؤية المشروع الاستراتيجي الصهيوني للهيمنة الاقتصادية والتكنولوجية على المنطقة العربية، وهو بهذا يُخالف نظرية بن غوريون في السيطرة المادية على المنطقة العربية، وتحقيق الحلم الصهيوني بحدود تمتد من الفرات إلى النيل، أو ما يُطلق عليه إسرائيل الكبرى، فاستعاض عنها شيمون بيريز بنظرية إسرائيل العظمى، بمعنى الهيمنة الاقتصادية والسياسية وليس العسكرية، وقد أفنى بيريز عمره في سبيل تحقيق هذه المقولة – ولعل الاتفاقيات الإبراهيمية التي سعى إليها الرئيس ترامب هي صيغة أخرى لهذه الفكرة – لكن رؤية بيريز اصطدمت بالفكرة التقليدية (إسرائيل الكبرى)، بعدما تبنّى نتنياهو فكرة الحلول العسكرية والتوسع واحتلال الأراضي في الدول المجاورة، تطبيقًا للمفهوم الديني الصهيوني بأرض الميعاد.

لعل من أشهر عقائد الجيش الصهيوني في الحروب ما أسموه عقيدة الضاحية، والتي تم تبنّيها في عدوان العام 2006، حيث قامت طائرات العدو الصهيوني بمئات الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، ودمّرت مئات المباني السكنية، واستهدفت هذه الغارات بشكل مكثّف المباني السكنية في أحياء مختلفة مثل حارة حريك، بئر العبد، الرويس، والشياح، وتضرّرت آلاف الوحدات السكنية الأخرى بشكل متفاوت.

ونظرًا لحجم الدمار الذي حدث يومها في الضاحية، والذي لم يُعهد له سابقة في الحروب العربية الصهيونية، فقد أطلق الجيش الصهيوني عليها (عقيدة الضاحية) للدلالة على قدرته على التدمير والإبادة. ومع ذلك انتهت الحرب يومها بهزيمة العدو وانسحابه من جنوب لبنان، لكن استمر استخدام هذا المصطلح من قبل القادة الصهاينة في كل مرة يريدون زرع الرعب في قلوب الفلسطينيين واللبنانيين.

لاحقًا تم تفعيل هذه العقيدة في غزة، فأغار الطيران الحربي آلاف المرات مدمّرًا أحياءً بكاملها، وما زال يتوعّد الفلسطينيين بمزيد من الدمار إن لم تستسلم حركة حماس وتلقي سلاحها، مع ما يعنيه ذلك من أنها استمرّت بالقتال لحوالي ثلاث سنوات بالرغم من هذا الدمار العظيم، وما زالت حركة حماس حاضرة في غزة، وأجبرت العدو الصهيوني على التفاوض معها للوصول إلى الهدنة الحالية.

في حرب لبنان في أيلول 2024، ذُكرت عقيدة الضاحية مرات عدة على لسان بن غفير وسموترتش ونتنياهو وكاتس، وقد قام الجيش الصهيوني بمئات الغارات على الضاحية في تكرار لما فعله في حرب العام 2006، ومع ذلك لم يستسلم حزب الله ولم يُلقِ سلاحه، مع أن الغارات كانت أقسى بكثير، وأدّت إلى استشهاد الأمين العام السيد حسن نصرالله ومجموعة كبيرة من قيادات المقاومة. ثم التفّ العدو الصهيوني نحو القرى القريبة من الحدود، فعاث فيها دمارًا وتفجيرًا، والمبدأ واحد، وهو تنفيذ عقيدة الضاحية، والنتيجة كانت انسحاب العدو من معظم تلك القرى، والبقاء في خمس نقاط فقط. وفي الحرب الأخيرة كرّر العدو الصهيوني نفس العمل، وهو الهجوم على الضاحية الجنوبية بمئات الغارات التي استهدفت الأبنية والعمارات، فهدم المئات منها.

إذًا، تُعدّ عقيدة الضاحية استراتيجية عسكرية إسرائيلية تعتمد على الاستخدام غير المتناسب للقوة، والتدمير الشامل للبنية التحتية، واستهداف المدنيين للضغط على الخصوم. وتتصاعد الدعوات لتطبيقها مع كل تجدد للمواجهات، وأبرز من صرّح بها غادي آيزنكوت، وهو مهندس ومؤسس هذه العقيدة في عام 2008، حيث صرّح علنًا: “إن ما حدث في الضاحية الجنوبية لبيروت عام 2006 سيحدث في كل قرية يُطلق منها النار على إسرائيل”، وأضاف: “سنُفعّل ضدها قوة غير متناسبة، وسنلحق بها دمارًا هائلًا، هذه القرى ليست مدنية، نحن نعتبرها قواعد عسكرية”.

 بتسلئيل سموتريتش وزير المالية الإسرائيلي دعا في منتصف حزيران 2026 رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تصعيد الرد العسكري ضد لبنان، مطالبًا بتطبيق (عقيدة الضاحية) بحزم وقوة لاستهداف مواقع وبنى تحتية في الضاحية الجنوبية لبيروت ردًا على هجمات حزب الله، مؤكّدًا أنه يجب الضغط المباشر على القيادة السياسية أو العسكرية لحزب الله من خلال إلحاق خسائر كارثية ببيئتهم وحاضنتهم الشعبية.

واستكمالًا لهذه المقولات التي تتكرر باستمرار مع أنها لم تتحقق، ولم تُحقق لهم ما يبغونه، ولن تتحقق، هو قول كل رؤساء وزراء العدو الصهيوني منذ ثمانينيات القرن الماضي بوجوب سحب سلاح حزب الله والمقاومة. وقد طالب بذلك شيمون بيريز عام 1985، ثم إيهود باراك عام 2000، ثم إيهود أولمرت عام 2006، ثم بنيامين نتنياهو عامي 2009 و2018 عند توليه رئاسة الوزراء، ولاحقًا وزير الخارجية يائير لبيد، وبعده وزيرا الدفاع بني غانتس ويوآف غالانت، ثم نتنياهو في ولايته الحالية، ووزير دفاعه يسرائيل كاتس، اللذان يكرران هذا الأمر في كل إطلالة تلفزيونية لهما.

نعود هنا إلى العقل والذكاء الصهيوني وما ذكره ألبرت أينشتاين عن تكرار نفس العمل: “الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفة”. وكأن هذا الذكاء الصهيوني قد توقّف عن تجديد نفسه بعد حرب 2006، وأصبح قادته يكررون نفس الكلمات والعبارات، ويهددون بنفس الأفعال، وما زالوا يراهنون على الحصول على نتائج مغايرة، ليس فقط في عقيدة الضاحية، بل أيضًا في عقيدة الاغتيال التي أسموها عقيدة قطع الرأس. وإذ كنا لا نريد تطبيق وصف أينشتاين عليهم، فلا أقل من القول: إن تكرار نفس العمل وتمنّي الحصول على نتائج مغايرة دليل على أنهم لم يتعلموا من التجارب السابقة، مع أن المثل يقول: “التكرار يُعلّم الشطار”.

تكرار لنفس الأفعال والأقوال، رغم أنهم خاضوا العديد من الحروب التي كانت تنتهي بفشلهم في تحقيق النتائج التي يتمنونها بالقوة العسكرية، ومع ذلك ما زالوا يكررون نفس الأخطاء، ولم يتعلموا منها شيئًا. هذا الأمر يثير التساؤل حول الذكاء الصهيوني وحقيقته.

إن هذا الأمر يستدعي إخضاع كل هؤلاء لاختبار الذكاء من جديد، إلا إذا كانت مقاييس الذكاء في كيان العدو تستخدم معايير أقل جودة بكثير مما تستخدمه دول العالم المتحضّرة، أو أن كل ما روّجوا له عن ذكائهم هو وهمٌ أوقعوا الحكام والشعوب العربية في شباكه. وأخيرًا نقول: إن الذكاء هو في عدم تكرار نفس الخطأ مرتين، ومن الغباء تكراره مرات عدّة.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى