ضريبة التحسين العقاري وتأمين السكن لذوي الدخل المحدود (عباس خليفة)

كتب المهندس عباس خليفة – الحوارنيوز
في بلد صغير الحجم اقتصاديا مثل لبنان، أصبحت العقارات أحد المحركات الرئيسية للاقتصاد الحر، في ظل غياب الضوابط الكافية التي تحول دون تفلت السوق العقارية وارتفاع أسعار الأراضي والشقق السكنية.
إن التطوير العقاري في لبنان يقوم، في معظمه، على مبادرات القطاع الخاص، التي تلتزم بشروط التنظيم المدني، فيما يقتصر دور البلديات على استيفاء رسوم رخص البناء ومتابعة بعض الإجراءات الإدارية، من دون تدخل مباشر في توجيه العملية العقارية أو الاستفادة من نتائجها لمصلحة المجتمع المحلي.
ما نبحث عنه اليوم هو دور إيجابي وفاعل للبلديات، يتجاوز الإجراءات الإدارية والرسوم التقليدية، وينخرط بصورة مباشرة في العملية العقارية، من خلال اعتماد ضريبة التحسين العقاري، بما يتيح لها توفير موارد مالية تُستخدم في استملاك الأراضي وحجزها لمصلحة ذوي الدخل المحدود.
ويمكن تخصيص هذه الأراضي للبيع بأسعار مخفضة للأفراد المقبلين على الزواج، أو إقامة مشاريع سكنية عليها بالتعاون مع التعاونيات السكنية، بما يساهم في توفير مساكن بأسعار تتناسب مع إمكانات أصحاب الدخل المحدود.
وتبرز أهمية ضريبة التحسين العقاري بصورة خاصة عند رفع معدلات الاستثمار في الأراضي الزراعية لمصلحة المشاريع الكبرى وكبار المستثمرين. فرفع معدل الاستثمار لمئات الدونمات يبدأ غالبا بقرار من المجلس البلدي، قبل أن يستكمل مساره لدى المديرية العامة للتنظيم المدني، من دون أن يكون هذا القرار مرتبطا بالضرورة بخطة إسكانية تأخذ في الاعتبار حاجات ذوي الدخل المحدود.
وعليه، فإن المجلس البلدي يشكل نقطة الانطلاق الأساسية في طلب رفع معدلات الاستثمار في الأراضي الزراعية. لكن النتائج المترتبة على ذلك قد تؤدي إلى القضاء على مساحات واسعة من البساتين المعمرة، في مقابل تحقيق المستثمرين أرباحا كبيرة نتيجة الارتفاع الحاد في أسعار الأراضي، من دون توفير أي ضمانات أو حماية للطبقات الفقيرة والمتوسطة.
من هنا، نرى أن أي عملية تطوير عقاري ينبغي أن تكون مصحوبة بخطة إسكانية واضحة، تشارك البلديات في وضعها وتنفيذها بصورة فاعلة، بحيث لا يقتصر دورها على منح التراخيص واستيفاء الرسوم، بل يمتد إلى حماية المواطنين من تداعيات الارتفاع غير المنضبط في أسعار العقارات.
وللأسف، لا تزال البلديات على امتداد الأراضي اللبنانية تفتقر إلى رؤية إسكانية متكاملة تحمي المواطنين العاديين من مخاطر تفلت الأسعار الناتج عن التطوير العقاري، وتضمن في الوقت نفسه تحقيق التوازن بين مصالح المستثمرين والحاجات السكنية للمجتمع.
إننا، بحكم دورنا المهني، نتابع هذه التحولات والعمليات العقارية عن قرب، وندرك حجم الخلل القائم في غياب الرؤية الإسكانية. لكننا، رغم هذه الصورة، نتمسك بالأمل في إطلاق خطة إسكانية مخصصة لذوي الدخل المحدود، انطلاقا من اقتراح تقدمه المهن الحرة إلى البلديات والجهات المعنية في البيئات المحلية الحاضنة، على أن تتم مناقشته على المستويين البلدي والسياسي، وصولا إلى وضعه موضع التنفيذ.
وتبرز هنا أهمية تولي المهن الحرة دورا أساسيا في إعداد هذه الخطة ومواكبتها، لما تمتلكه من طاقات وخبرات بشرية متكاملة، تضم المهندسين والمحامين والهيئات الاقتصادية وسائر الاختصاصات المعنية بالشأنين العقاري والإسكاني.
إن إشراك هذه القطاعات المهنية في وضع التصورات والدراسات ومتابعة التنفيذ يوفر قاعدة متكاملة لإطلاق مشاريع إسكانية قابلة للتحقيق، ويعزز فرص نجاحها، بما يحقق مصلحة البلديات والمجتمع، ويمنح ذوي الدخل المحدود فرصة حقيقية للحصول على سكن لائق وبأسعار مناسبة.
والله ولي التوفيق.



