العالم العربيسياسة

صفقة القرن والوهن العربي

 

لم يكن إعلان الرئيس ترامب لما يسمى بصفقة القرن مفاجئاً لأي عربي عاش سنوات أو عقوداً في الهم الفلسطيني الدائم، والإجرام الإسرائيلي المتواصل، والإنحياز الأميركي الصريح للاحتلال مع تعاقب الإدارات التي لا تختلف في استراتيجيتها عن إدارة ترامب وإن كان الأخير يتميّز عنها بالخطاب الصريح الوقح والمباشر. كذلك لم تكن مفاجئة ردود فعل القيادات الرسمية العربية المتخاذلة، فتاريخ القيادات السابقة، إلا ما رحم ربي، لا يختلف كثيراً سوى في شيء من الشجب والتنديد والاستنكار الفارغ إرضاءً للشعوب الغاضبة. كلنا يعلم أن تنفيذ هذه الصفقة قد بدأ منذ مدة وعلى مراحل، وقد كان أهمها سحب ترامب لقضية القدس عن الطاولة قبل إعلان الصفقة،  واعترافه بالقدس عاصمة للكيان الإسرائيلي، ثم نقل السفارة الأميركية إليها. لذلك سوف يبدأ تنفيذ بنود هذه الخطة قريباً وإن رفض من يُفترض أن يكون الشريك الآخر، أي الفلسطينيين، وذلك دون أي اعتبار لمجلس الأمن والمجتمع الدولي والدول الأوروبية أو الإسلامية أو غيرها، ما يبرز بتجلٍ واضح فاضح الصورة الإمبريالية المتوحشة للولايات المتحدة في تحدي العالم.
والسؤال: ما هي مواطن القوة والنجاح في هذه الصفقة؟
1- وجود ترامب في سدة الرئاسة، وهذا قوة إضافية مميزة للكيان الصهيوني، حيث انحيازه واضح وصريح دون دبلوماسية مقنّعة، وتهوّر في تنفيذ مصالح الكيان دون اعتبار لأحد.
2- تورّط كل من ترامب ونتنياهو في بلديهما، ونجاح هذه الصفقة سوف يحسن من صورتيهما.
3- الوهن العربي المميت كما لم يكن من قبل، ويتجلى في تناحر القيادات فيما بينها، وعدم التصالح مع شعوبها، بالإضافة إلى استكانتها أمام الجبروت الأميركي وتحمل بعضها لنفقة الصفقة بكاملها، وتقديم الأراضي العربية بديلاً عن ما سيتخلى عنه الفلسطينيون للإسرائيليين.
4- تحسين إعلامنا لصورة إسرائيل في وجدان الشعوب العربية، والدعوة إلى التزاور والتطبيع والحوار، وحرف بوصلة العداوة باتجاه إيران ومن يسير في فلكها.
لا شك أنها صورة قاتمة تدعو إلى الإحباط والغيظ والإحساس بالظلم الواقع على العرب والفلسطينيين معاً. لكن أليس في الأفق من أمل؟
1- لقد أنتجت هذه الصفقة اتحاداً للفلسطينيين في بوتقة واحدة رفضاً للمؤامرة القادمة، والتي يسعى لتنفيذها البعيد والقريب معاً. هذا الاتحاد سيكون له وقع كبير فيما لو أسس خطة منظمة للتحرك، إذ لا مجال للارتجال والعفوية، وخصوصاً عند التحرك الشعبي الداخلي.
2- لم تعد المقاومة الفلسطينية محدودة القوة والتحرك والعدة، فقد أصبح لها رد فعل عسكري أحرج الجيش الإسرائيلي في أكثر من واقعة، وأربك الوجود الشعبي الإسرائيلي الذي لم يعد يشعر بالأمان كما كان الوضع من قبل.
3- هناك محور إقليمي قوي في مواجهة التعنت الأميركي الصهيوني، وقد أعلن رفضه لهذه الصفقة وتأييده للشعب الفلسطيني. وهذا سيمنح المقاومة في الداخل قوة لا يستهان بها، على الصعيدين المادي العسكري والمعنوي،.
4- لقد أظهر الشعب الفلسطيني عن قوته المعجزة عندما كان ينتفض في مواجهة العدو في قضايا أقل خطورة ومصيرية، وبوسائل بدائية متواضعة، ولا شك أن انتفاضته ستكون أكبر وأعظم خصوصاً وأن الأمر يتعلق بوجوده وكيانه وأرضه وكرامته، وهو الآن أقوى وأشد. فلقد بلغ صدى انتفاضته العالم وهو يمتلك الحجر، فكيف به الآن وقد أصبح أشد قوة؟
لا شك أن الوضع خطير جداً، والنية الأميركية الصهيونية صادقة في تنفيذ هذه الصفقة الشيطانية، لكن بإمكان الشعب الفلسطيني إسقاطها، وسوف تنهض الشعوب العربية والإسلامية والصديقة لنجدة فلسطين والقدس. عسى أن تجمعنا هذه الصفقة بعد طول فرقة وتشرذم وتشتت، ويكون شر ترامب سبباً للخير القادم في أمتنا، ونقول كما قيل من قبل: رب ضارة نافعة…   
 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى