الرئيسيةثقافة

صديقي بلال الذي لم ينكسر للموت..(واصف عواضة)

 كتب واصف عواضة

نادرا ما تجتمع السياسة بالصحافة بالفكر والأدب والشعر والثقافة والذكاء والفطنة وروح الصداقة والطرفة الجميلة والنكتة الجاهزة والانفعال المحبب في شخص واحد.كل هذه الصفات اجتمعت في بلال شرارة.

ربما لبلال صفات أخرى لم أكتشفها طوال أربعين عاما ،وهذا قصور مني.لكن يبقى أنني حزين على غياب بلال الذي كنت أعتقد أنه عصي على الموت ،ولا أعرف كيف تكون المجالس والساحات المختلفة من دون بلال شرارة ،من مجلس النواب الى عين التينة ،الى مقاهي بيروت ومنتدياتها ومقاهيها ،الى بنت جبيل ومنزله الذي يضج بالأصدقاء والزوار،وأشعر أن الرئيس نبيه بري أكثر من شعر بخسارة بلال صاحب القلم المتحفز في جميع المناسبات.

بلال المناضل القومي العربي الذي فتح عينيه على فلسطين ،جارة بنت جبيل،كان أول من التزم المقاومة الفلسطينية يوم كان النضال مفخرة الرجال،وكانت له مع حركة “فتح” بعيد الانطلاقة أكثر من علاقة.لكنه مثلنا أيضا مال يوم مالت الحركة نحو التسويات ،لكن فلسطين ظلت في ضميره شعلة لا تنطفئ.

كان بلال سلسا في التعاطي مع الآخرين ،لكنه في الوقت نفسه كان ناقدا عنيفا لأقرب المقربين ،عندما “تشطح” بهم الأمور،ولطالما كان يعتذر عندما يشعر أن “الشطح” قد بدر من لدنه. 

أحب بلال الحياة ،مثلنا،فغرف منها الكثير الكثير،لكنه منذ حمل عصاه بدأ يشعر أن جسده لا يحتمل كل هذا النشاط،غير أنه لم ينكسر ولم ينعزل ولم ينطو على نفسه.ظل فكره متوقدا وحركته ناشطة وقلمه متحفزا لكل حدث.ومع ذلك صار يشعر أن للحياة حدودا ،فراح يتغزل بالموت ،بل يستدعيه أحيانا وهو يفقد الأصدقاء واحدا تلو الآخر.

يوم رحل صديقه الودود غازي قهوجي أحس بلال أنه فقد قطعة منه ،فكتب فيه يقول:

“خاتمة الأحزان”… اسأل الله أن تكون كذلك. وأن لا يجرّبني مجدداً فيموت أحد من أعزائي في حياتي لأقوم بالواجب. بل أن أموت أنا في حياتهم فيرمون جسدي جدث الرحمة ويطلبون إلى عامل ما أن يهيل عليه التراب مقابل ما سال من عرق جبينه. فلا أعود أقف على باب الحزن كما فعلت منذ أن بلغني اشتداد غازي قهوجي. انتظرته لعله يأتي فأعزّيه فيه.

ويوم رحل عصام العبد الله كتب بلال شعرا من وحي عصام وشعره:

بالموت مافي كذب

 ما في حدا بيسرق حدا

 بيقتل حدا

بيغار بالموت

 بيموت فينا الشر

بظل فينا الزيت والزيتون و الخبز و الملح والكمون

وطفل بيكاغي و نهرين عسل ولبن

٠٠ عسل و لبن و شبين بنت وصبي بيتعلموا الرمان طعمهم توت الزمان

 شو عامل بوقت النوم بعد الظهر بالموت ؟بعدك ( ألف الحكي ) وعم تكتب شعر ؟ عندكم بيروت ( سلة عناقيد الضيع) ؟ في عندكم صيدا ٠٠ زغرتا ٠٠ وصور ؟

بالأمس اشتاق بلال الى أصدقائه الكثر الذين فقدهم في السنوات الأخيرة واحدا تلو الأخر.رحل بلال بعدما عاند الموت بشراسة ،لكن الوباء اللعين أدركه ،وكان ما كان.

اليوم يحتضن تراب بنت جبيل جثمان بلال وروحه الطيبة.بنت جبيل التي أحبها كما لم يعشق بلدة في الدنيا ،لطالما افتخر بها وبمناضليها وبنضالها وبشهدائها الكثر في سبيل الدفاع عنها وعن الوطن.أولم تكن بنت جبيل خط الدفاع الأمامي عن لبنان ،وآخر شهادة لها كانت في حرب تموز عام 2006 حيث استعصت على آلة العدو الذي لم يدنس شرفها،  بالرغم مما لحقها من دمار؟..بنت جبيل تشبه بلال تماما ،في قيامتها من تحت الرماد.

سلام لروح بلال،وسلام لأرواحنا ،الأحياء الأموات، في زمن صار فيه الموت والحياة سواء .وخالص العزاء للعائلة الكريمة ،لحسان وعبير ،والشقيق العزيز حسن الذين خسروا والدا وشقيقا وصديقا ،والعزاء لنا أصدقاء بلال ولبنت جبيل والحركة الثقافية وحركة أمل رئيسا وأعضاء،وإنّا لله وإنّا إليه راجعون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى