رأيسياسةمحليات لبنانيةمن هنا نبدأ

زمن الإذلال ..بين عظة البطريرك ومجالس العاشوراء(واصف عواضة)

كتب واصف عواضة:

ما من تعبير يمكن ان يترجم ما يتعرض له اللبنانيون في وطنهم أقسى من كلمة “الإذلال”.

إذلال في الكهرباء. إذلال في المحروقات. إذلال في الدواء.إذلال في الغذاء.  إذلال في مختلف الخدمات الطبيعية. على أن الإذلال الأبشع والأمضى هو الإحساس بالعجز عن أي فعل يفتح باب الخلاص .شعب سقط فجأة بالضربة القاضية بعد شعور بالخذلان ،وأوهام  بأن أيام العز يمكن ان تدوم في ظل نظام سياسي كان من البديهي ان يوصلنا الى ما وصلنا إليه.

ولعل الأشد إذلالا للناس أنهم في ظل سطوة الإذلال يتزاحم السياسيون على منصب وزير من هنا ووزارة من هناك، ،تعطيلا لحكومة كل المطلوب منها في هذه المرحلة ان تفرمل الانهيار،وكل ما يرتجى ان تدير الأزمة بأدنى حد من الرحمة .

والمضحك المبكي ان الناس في ظل هذا العجز ،باتت ترضى بأي شيء ،أي شيء يسد الرمق. صار المواطن اللبناني في زمن القلة والفاقة يبتهج لأي مكسب مهما كان صغيرا،وهو أساسا من حقه ومن واجب أولي الأمر.

صار المواطن يبتهج  ويسعد اذا جاء التيار الكهربائي ثلاث ساعات بدل ساعتين في اليوم. يبتهج اذا حظي بصفيحة بنزين او مازوت او قارورة غاز. يبتهج اذا وجد حبة دواء في صيدلية .يبتهج اذا تراجع الدولار بضعة ليرات. يبتهج اذا وجد قارورة زيت بسعر معقول. هي سياسة الحرمان التي أذلت نفسه بصورة لم يسبق لها مثيل.

كنا أطفالا في الضيعة،نحلم طوال الليل بطلوع الصبح كي يأتي بائع البوظة على دراجته النارية ،كي نهرع اليه ونشتري “قرن البوظة” بخمسة قروش. الشهادة لله كان أطيب واروع من كل البوظة التي التهمناها في زمن الترف. اكتشفنا لاحقا أن سياسة الحرمان أكثر سعادة من سياسة الترف. ما عدنا ،لا نحن ولا أولادنا وأحفادنا في زمن الترف ،نستطيب كل ما تيسر لنا من الأطايب.

اليوم انتهى زمن الترف والعز،وحلّ زمن الفاقة والعوز. عادت احلام الطفولة تراود ليالينا.

هل يستحق اللبنانيون هذا المصير الأسود؟

ربما نعم.. وربما لا..

ربما نعم لأنهم هدروا الكثير من الفرص لاختيار ممثلين عنهم يجيدون بناء وطن يحفظ لنا ما تيسر من الكرامة.

وربما لا يستحق اللبنانيون كل هذا. ليل  أمس ،والكهرباء مقطوعة بعد نفاذ المازوت من مولدات موزع الكهرباء في البلدة ،قالت شقيقتي المؤمنة بالله والتي لا تفوّت فرض صلاة :لماذا يارب تخليت عنا الى هذا الحد؟

قلت لها في سري: ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ونحن للأمانة كشعب لم نغير ما بأنفسنا. فعلى الرغم من كل المعاناة التي نعيش،كان الصراع محتدما أمس حول عظة البطريرك،بين مؤيد ومعارض ،وكأن الدنيا بألف خير. في الوقت نفسه كانت مجالس العاشوراء تصدح بلازمة: “هيهات من الذلة”.

سلام على الحسين ،سيد الشهداء،والسلام على من اتبع الهدى !

  • الصورة المنشورة أعلاه هي من روائع الفنان الراحل ناجي العلي،وهي خير معبر عن الإذلال.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى