العالم العربيرأيسياسة

دروس التجربة التونسية*(طلال الإمام)

طلال الامام /ستوكهولم

بداية يمكن أن يكون من المبكر الإحاطة بجميع تفاصيل المشهد التونسي بعد الاجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي قيس سعيّد ،وأهمها تجميد عمل البرلمان وإقالة الوزارة وبدء فتح ملفات الفساد السياسي والاداري الذي مارسه برلمان  وحكومة يسيطر عليهما حزب النهضة (الفرع التونسي لتنظيم الاخوان المسلمين).

 سأحاول الاشارة الى أهم الاسباب والدروس التي أدت بالرئيس الى إتخاذ قرار بإجراء عملية جراحية سريعة من أجل إنقاذ الجسم المريض.

جاءت هذه الاجراءات بعد اتساع الفساد وتراجع مكتسبات الشعب التونسي في المجالات السياسية، الاجتماعية، الصحية والثقافية الأمر الذي فاقم من تزايد البطالة بين الشباب خصوصا، الغلاء الفاحش ومحاولات أسلمة مؤسسات الدولة  وفشل مواجهة جائحة وباء الكورونا.

يمكن تلخيص دروس التجربة التونسية ب:

أولاً – فشل  الاخوان المسلمين ممثلين بحزب النهضة في تحقيق اهداف الشعب التونسي في الديموقراطية وحل المشكل الاقتصادية والاجتماعية.وهذا الفشل الذي يأتي بعد فشل الاخوان في مصر يؤكد ان هذا التنظيم الرجعي يسير بعكس حركة التاريخ واماني الناس في حياة لائقة وفي اقامة مجتمع مدني  لجميع المواطنيين .نعم انه الدرس الاهم وهو ان تنظيم الاخوان ونهجهم في اعادة التاريخ الى مئات السنين للوراء في كل المجالات لايمكن ان يكتب له النجاح ….الاخوان المسلمون يدغدغون عواطف بسطاء الناس بانهم الحل لمشاكلهم، مستغلين الارث الديني المتجذر في المجتمعات .لكن ما ان يصلوا للسلطة حتى تنكشف حقيقتهم وينقلب عليهم حتى الكثير من الذين صوتوا  لهم في البداية .وهذا يؤكد فشل النهج الرجعي او السلفي في تحقيق طموحات الناس.

ثانيا- قد تبدو اجراءات الرئيس التونسي متناقضة مع الديموقرطية ….لكن ان نظرنا للامر بتمعن يمكن القول ان اي بلد مهما كان ديموقراطيا، قد يلجأ في منعطفات واحوال محددة تهدد البلاد بفوضى وحروب داخلية او خارجية ، الى اتخاذ تدابير استثنائية (اعلان حالة طوارىء) .المهم ان تكون هذه الاجراءات مؤقتة وتترافق مع اجراءات سريعة لاعادة الوضع الطبيعي للبلد .

ثالثاً – تمت  الاجراءات التي اتخذها الرئيس التونسي وفق دستور  وصلاحية الرئيس .وقد اتخذها بعد مشاورات مع الجيش والقوى الامنية ،ثم اتبعها بلقاءات مع احزاب سياسية ونقابات ومثقفين وهيئات المجتمع المدني . هذا كله ادى الى اتساع تأييد تلك الاجراءات من غالبية القوى السياسية الفاعلة عدا حزب النهضة طبعاً الذي يدرك ان هذه الاجراءات ستعني بداية نهاية سيطرته على السلطتين التنفيذية والتشريعية .

رايعاً – رغم قصر مدة البدء بتلك الاجراءات إلا انها تلاقي تأييدًا شعبياً يتسع باستمرار، ومنها موقف النقابات المتزن والبيان الذي اصدرته مجموعة من المثقفين التونسيين ورجالات الفكر ضد  ممارسات حزب النهضة وتأييدهم لاجراءات الرئيس .

خامساً – تترافق الاجراءات مع خطوات قانونية لاحالة الفاسدين في أجهزة الدولة للمحاكم، وهذا يترك ارتياحا بين اوساط الناس .

سادساً – اعلنت  العديد من البلدان تفهمها أو تأييدها للإجراءات، طبعا عدا تركيا الاخوانية وتنظيمات الاخوان المسلمين والدائرين في فلكهم.

سابعاً – من الصعب وصف اجراءات الرئيس بانها انقلاب كما تدعي النهضة، كونها جاءت من رئيس مدني، معتمدا على دستور معمول به وتحظى بتأييد وطني  ملموس .

إن مجمل ما ذكرناه لايعني ان الامور مفروشة بالزهور وان القوى الرجعية ستستسلم بسهولة .الأهم برأينا هو الاسراع في تشكيل حكومة، كشف ملفات الفساد وملاحقة ومعاقبة المتورطين فيها ، ووضع خارطة طريق سياسية، إجتماعية وإقتصادية عبر حوار وطني شامل تساهم فيه الاحزاب وهيئات المجتمع المدني والنقابات .والأكثر إلحاحاً أن تترافق الاجراءات السياسية مع إجراءات إقتصادية وصحية إنقاذية سريعة.

نتمنى اخيرا الا تكون هذه الاجراءات طويلة الامد او ان تؤدي الى تعزيز  قبضة الرئيس على مفاصل الدولة وان يتم العودة الى المؤسسات الدستورية والحياة السياسية التعددية  بسرعة عبر حوار وطني شامل.

نعتقد ان نجاح هذه التجربة التونسية سينعكس ايجابا على العديد من الدول الاخرى.

تحية للشعب التونسي الذي يساهم في اسقاط وتعرية اسلمة المجتمع والدولة ويطالب بدولة مدنية علمانية .

 

* مداخلة في التجمع العربي للتنوير .

 

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى