حين يتحول البيت الأبيض من القرار العالمي إلى مسرح للتنمر والسفاهة(وائل أبو الحسن )

كتب وائل فايز أبو الحسن – المكسيك – الحوارنيوز
رغم أن دونالد ترامب يتربع على رأس أقوى دولة في العالم، ويتمتع بصلاحيات ونفوذ هائلين، فإنه يثبت يوماً بعد يوم أن امتلاك القوة لا يعني امتلاك العقل أو الاتزان أو الحد الأدنى من الأخلاق واللياقة.
شخصية نرجسية، متعجرفة ومبتذلة، تتنقل بين التنمر والسخرية والإهانات والتصريحات الساذجة والسخيفة، وكأننا أمام مهرج يبحث عن الأضواء، لا رئيس يقود قوة عظمى. يتغزل بجمال هذه ومؤخرة تلك، ويثني على ملابس إحداهن ويسخر من ملابس أخرى، ومن تسريحات الشعر وربطات العنق وطريقة الكلام. وإذا أحرجه سؤال صحافية، انهال عليها بالإهانات ووصفها بالغباء، واتهم مؤسستها الإعلامية بالشيوعية أو اليسارية وكأنها إهانة، متجاهلاً أن الشيوعية واليسارية مدارس فكرية وأيديولوجيات سياسية واقتصادية واجتماعية، تتطلب ثقافة ومعرفة لفهمها ومناقشتها، لا عقلية سطحية تسخر من مفاهيم العدالة الاجتماعية والمساواة وحقوق الإنسان.
ولا يختلف سلوكه مع رؤساء الدول وقادتها، بين التهديد والإهانة والابتزاز، واستعراض المكالمات الخاصة وتقديم رواياته الخاصة عن مضمونها، وصولاً إلى السخرية من قادة وشخصيات اغتيلت في دول أخرى، والتباهي بأنه لم يعد هناك من يمكن التفاوض معه. حتى الدول يقيس علاقاته بها وفق مصالحه الشخصية وهوسه بأن يكون محور الاهتمام، كما في خلافه مع النرويج على خلفية عدم حصوله على جائزة نوبل للسلام. وكأن السياسة الدولية تدور حول شخصه، لا حول مصالح الدول والشعوب. سلوك يعكس، في تقديري، شخصية غير متزنة، تطغى عليها النرجسية وعقد التفوق والاستعراض.
أما سياسياً، فالمسألة أخطر من مجرد مهرج في البيت الأبيض. رئيس يمارس الضغط والتهديد والابتزاز والترهيب لإخضاع الدول وفرض إرادته عليها، مستخدماً العقوبات الاقتصادية والحصار والرسوم الجمركية والتهديد بالقوة العسكرية أدوات للهيمنة. ويتعامل مع ثروات الشعوب ومواردها بمنطق السطو والنهب، وينتهك السيادة الوطنية والقانون الدولي والمواثيق والاتفاقيات، وصولاً إلى عمليات اختطاف رؤساء دول، وشن الحروب، وتقديم السلاح والدعم الذي ساهم في إبادة غزة وتدمير جنوب لبنان، والاعتراف بسيادة إسرائيل على أراض محتلة تعود لدول ذات سيادة وأعضاء في الأمم المتحدة. حتى أسماء البحار والممرات الجغرافية لم تسلم من استعراضاته العبثية.
أما استغلال السلطة والنفوذ لتحقيق المكاسب الشخصية، فله فصل آخر. من تضخم ثروته وثروات أبنائه وأصهاره والدائرة الضيقة المحيطة به، إلى الأرباح الطائلة المرتبطة بمشاريع العملات الرقمية والشركات والاستثمارات العائلية، وشبهات تضارب المصالح والتهرب الضريبي والصفقات والعمولات والتلاعب بالأسهم والأسواق المالية. وتبرز كذلك تساؤلات جدية حول المصالح والاستثمارات المرتبطة بشركات صناعة الأسلحة، ومدى استفادة أفراد من عائلته ومقربين منه من استمرار الحروب وإطالة أمدها لتحقيق أرباح هائلة.
ولا يمكن تجاهل ملفات جيفري إبستين، وعلاقة ترامب به، والاتهامات التي طالت ترامب في قضايا اعتداءات جنسية، بما فيها اتهام يتعلق بقاصر. يجب فتح ملفات إبستين كاملة وكشف وثائقها دون إخفاء أو انتقائية، والتحقيق في جميع الاتهامات وتحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين، مهما بلغت مواقعهم ونفوذهم.
نحن على أبواب الانتخابات النصفية الأمريكية، وإذا قرر الشعب الأمريكي قلب المعادلة وتغيير موازين القوى داخل مجلسي النواب والشيوخ، فيجب فتح ملف عزل ترامب ومحاكمته ومحاسبته على تجاوزاته وانتهاكاته واستغلاله السلطة والنفوذ لتحقيق مصالح شخصية، وعلى ما اقترفه داخلياً وخارجياً من أضرار سياسية واقتصادية وإنسانية.
الخلاصة، ترامب ليس مجرد رئيس سيئ الأداء، بل شخصية تافهة، مبتذلة، نرجسية، عنصرية وغير متزنة، تفتقر إلى المؤهلات الأخلاقية والسلوكية لقيادة دولة بحجم الولايات المتحدة. والمأساة ليست في أن مهرجاً يمارس التهريج، بل في أن هذا المهرج يجلس في البيت الأبيض، ويمتلك من القوة والنفوذ ما يكفي لتهديد استقرار العالم بأسره.
*محام مغترب مقيم في المكسيك



