سياسةمحليات لبنانيةمن هنا نبدأ

حكومة “النجيب الثالث”:على الرغم من…فلنعطها فرصة!(واصف عواضة)

كتب واصف عواضة

 

كتبنا وقلنا هذا الكلام أكثر من مرة ..ولكن لا بأس من الإعادة ،لعل في الإعادة إفادة.

كتبناه يوم تكليف نجيب ميقاتي للمرة الثالثة تشكيل الحكومة اللبنانية في 26 تموز الماضي،وكتبنا مثيلا له في 27 كانون الثاني عام 2011 عندما كلف ميقاتي تشكيل حكومته الثانية،وقلنا يومها:

“عندما يختلي الرئيس نجيب ميقاتي بنفسه آخر الليل، ويستعرض القضايا والهموم التي تواجه حكومته العتيدة بعد تكليفه مهام تشكيلها، سوف يستهول بلا شك حجم المشاكل الذي يواجه هذه الحكومة، خاصة إرث السنوات المنصرمة التي أعقبت حكومته الاولى إثر اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري..”
 

وقلنا يومها أيضا: “الناس تريد يا دولة الرئيس كبح جماح وحش الغلاء ،وخفض أسعار المحروقات، وتحسين الأجور، وحداً أقصى من الكهرباء ومياهاً نظيفة وأشياء أخرى بسيطة وغير مستحيلة. عندها لن يجرؤ أحد على قلب ظهر المجن في وجهك، لا بالتحريض المذهبي ولا بالغضب والتوتر والتخريب. فمن تحميه الناس لن تغتاله السياسة، ونزعم يا دولة الرئيس أنك أهل لهذه المهمة“.

كان هذا قبل عشرة أعوام..

بالتأكيد إختلى الرئيس نجيب ميقاتي بنفسه بعد منتصف الليلة الماضية ،بعد تشكيل حكومته الثالثة ،وبعد “الغصّة” التي انتابته والدموع التي كاد يذرفها وهو يتحدث للصحافة ووسائل الاعلام في قصر بعبدا،وهو راجع دقائق المهمة شبه المستحيلة التي تنتظره قياسا الى مهمتيه السابقتين. فلا الزمان هو الزمان، ولا الأحوال هي الأحوال بعد تلك السنوات الطوال.فهل “نجيب الثالث” هو ما يزال “نجيب الأول” أو “نجيب الثاني”؟

يقول”نجيب الثالث” إن أولوياته هي الدواء والمحروقات والكهرباء وحليب الأطفال،وهي العناوين ذاتها التي تنكب لمعالجتها عام 2011،وهي كانت في ذلك الزمان متوفرة الى حد ما .لكن بعد عشر سنوات لم يبق في البلد دواء ولا كهرباء ولا محروقات ولا حتى حليب للأطفال والكبار،وليس في خزينة الدولة دولار واحد على حد قوله،وباتت معالجة هذه الأزمات “مهمة شبه مستحيلة”،فهل يقوى نجيب ميقاتي على معالجتها وسط النكد السياسي الذي تعيشه البلاد،خاصة وأننا على أبواب انتخابات يحلم البعض بأن تشكل ثورة تغييرية كبرى؟

في المرات الثلاث التي كلف فيها نجيب ميقاتي، إبن طرابلس التي تعيش أقسى الظروف المعيشية والحياتية ،كانت الآفاق مسدودة في وجه البلد ،فتنكّب هذا الثري الطرابلسي للمهمة تحت شعار الإنقاذ.

جاءت حكومته الأولى بعد الزلزال الذي ضرب لبنان باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005 ،واستقالة حكومة الرئيس عمر كرامي تحت ضغط الشارع.اختار نجيب ميقاتي حكومة من 14 وزيرا كانوا جميعهم تقريبا من خارج الطبقة السياسية التقليدية،وهي نالت الثقة من البرلمان بأغلبيه 110 أصوات ضد صوت واحد وامتناع 3 وغياب 11 .حينها كان البرلمان مكونا من 126 عضوا، وذلك لاغتيال نائبين فيه هما الرئيس رفيق الحريري وباسل فليحان.وقد حملت التشكيلة أسماء جديدة لم تكن رائجة في الوسطين السياسي والشعبي(تماما كما هو الحال اليوم) وهم:دميانوس قطار،شارل رزق،محمد جواد خليفة،بسام يمين،غسان سلامة(استقال لاحقا)،طارق متري،أسعد رزق،خالد قباني،محمود حمود،طراد حمادة ،عادل حمية،حسن السبع وآلان طابوريان والياس المر.

وقد أشرفت هذه الحكومة على الانتخابات النيابية التي جرت على أربع جولات بين 29 أيار و20 حزيران ،وقد توزعت على 15 كتلة بينها اثنان من المستقلين.

الحكومة الثانية لميقاتي شكلت في 13 حزيران عام 2011 ،بعد إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري باستقالة الثلث المعطل منها.وكانت حكومة ميقاتي ثلاثينية وحملت أسماء جديدة أيضا ،وهي استمرت حتى 15 شباط 2014 ،وكان قد أعلن استقالته في 22 آذار 2013، بسبب عدم تشكيل هيئة للإشراف على الانتخابات البرلمانية ومعارضة التمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي أشرف ريفي .

اليوم يتولى نجيب ميقاتي المهمة للمرة الثالثة في ظروف سياسية واقتصادية وحياتية ومعيشية أقل ما يقال فيها أنها كارثية،وليس من باب المبالغة القول إن ميقاتي في ظل هذه الظروف يتنكب “مهمة انتحارية” تحاكي المستحيل .

ومهما قيل في نجيب ميقاتي الذي لم تترك بعض وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي “نقيصة” إلا وألصقتها به،فإن اللبنانيين الغارقين في عمق “الوحل المعيشي”،لا يملكون إلا منحه فرصة للانقاذ تبدو صعبة المنال ،وعلى قاعدة “لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”،لأن البديل هو الاستمرار في الانهيار والسقوط والانحدار الى هاوية جهنم كما يرى رئيس الجمهورية العماد ميشال عون.

على الرغم من ومن ومن..

وعلى الرغم من الطموح الجامح لبعض الحالمين بالإصلاح والخلاص والإنقاذ في ظل هذا النظام والمنظومة،فإن أولويات نجيب ميقاتي (الدواء والمحروقات والكهرباء وحليب الأطفال) هي أقصى ما يطمح اللبنانيون الى مقاربته والحصول عليه في هذه المرحلة. فهذا النظام السياسي الذي لم تتمكن الثورات والانتفاضات من زحزحته أو هزّ كيانه ،على الرغم من اهترائه ووصوله الى طريق مسدود،ما يزال أقوى وأشد وطأة من كل آمال الناس.والدليل على ذلك هو التوزيعة السياسية لهذه الحكومة التي فيها من الكفاءات العلمية ما يزيد ويفيض عن الحاجة.

الإنهيار حصل ،وعبرنا أبواب جهنم نحو الجحيم ،وواهم من يرى غير ذلك.فلنعط هذه الحكومة فرصة، لعل وعسى..ومن لديه سبيل أو خيار عملي آخر غير الكلام المباح الذي لم يقدم ولم يؤخر ،فكلنا جنود في هذه المعركة.والسلام على من اتبع الهدى!

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى