حقائق مطمسة في مجزرة صليما ودور حزب الكتائب (وائل أبو الحسن)

كتب وائل فايز أبو الحسن* – الحوارنيوز
مؤخراً، أقرأ بعض المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي لمقاتلين ومسؤولين كتائبيين سابقين وحاليين، وأتابع تسجيلات ومقابلات تلفزيونية وظهوراً على بعض المنصات الإعلامية، يعيدون فيها الحديث عما يسمونه معركة صليما عام ١٩٧٦، ويصورونها على أنها معركة بطولية كان هدفها إعادة المهجرين.
لكن ما حصل في صليما لم يكن معركة بالمعنى الذي يحاولون تسويقه، بل مجزرة ارتكبتها المجموعات الكتائبية التي دخلت البلدة، وراح ضحيتها نحو ٧٦ أو ٧٧ مدنياً من أبنائها، من رجال ونساء أبرياء، لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في منازلهم وقريتهم.
والأخطر هو ما يرافق هذه الروايات من تشويه للحقائق، إذ نشر أحد المقاتلين القدامى في حزب الكتائب اللبنانية على صفحته على “فيسبوك” رواية مفادها أن المجموعات الكتائبية جمعت أهالي صليما في ساحة البلدة، حيث توجه إليهم الشيخ بشير الجميل قائلاً، لا تخافوا، سننقلكم إلى بيروت ونسلمكم إلى الصليب الأحمر. وكأن ما جرى كان عملية إنقاذ إنسانية، فيما الحقيقة التي نعرفها أن أبناء البلدة قُتلوا غدراً داخل منازلهم الآمنة. فهل يمكن طمس دماء الضحايا وتحويل المجزرة إلى عمل بطولي بمجرد إعادة صياغة أحداثها وتزوير وقائعها؟
وقد وردت أسماء بعض المشاركين في مجزرة صليما، وكان لافتاً من بينها اسم مارون مشعلاني، إلى جانب أسماء أخرى برزت لاحقاً عقب مجازر صبرا وشاتيلا عام ١٩٨٢، وارتبطت باتهامات بالمشاركة في ارتكاب الفظائع والجرائم بحق المدنيين الأبرياء.
وشاءت الصدف أنني خلال زيارتي للبنان عام ٢٠١٩، وبعد زيارة إلى بيت الكتائب ولقاء الشيخ سامي الجميل برفقة الصديق الراحل رونالد حمدان، توجهنا لتناول الغداء في مطعم عبد الوهاب في مركز ABC الأشرفية، وإذ بمارون مشعلاني يدخل المطعم. فقلت لرونالد، انظر، هذا رفيقكم السابق مارون مشعلاني، أحد مرتكبي مجزرة صبرا وشاتيلا.
وكان رونالد يجهل ذلك، فقال لي، إذاً هذا بطل. فأجبته، لا، بل مجرم، لأن من يقتل المدنيين الأبرياء وينكل بالنساء والأطفال ليس بطلاً، بل مجرم. ودار بيننا نقاش انتهى، كعادتنا، بحوار بناء ومثمر وشيق، لم تخل منه الإنسانية والموضوعية، بعيداً عن التعصب والأحقاد، رغم اختلافنا السياسي.
أما ما يستوقفني اليوم، فهو لماذا يعاد فتح ملف صليما تحديداً في هذا التوقيت؟ ولماذا يجري التباهي بما حصل وتصويره على أنه معركة بطولية، بينما لا تزال جراح أهالي الضحايا مفتوحة؟
أعتقد أن من الأفضل عدم نكء الجراح التي لم تلتئم بالكامل. فمصالحة الجبل، التي حرصنا عليها ودافعنا عنها باعتبارنا فريقاً أساسياً فيها، لا تزال هشة، خصوصاً في القرى والبلدات التي شهدت المجازر، حيث لا تزال ذاكرة الأهالي حية وأسماء المرتكبين معروفة.
ومن معرفتي العميقة بعقلية أهل المنطقة، أهلي وناسي، أحذر من خطورة إعادة إحياء هذه الأحداث والتباهي بها، لأن ذلك قد يستفز مشاعر أهالي الضحايا ويؤدي إلى ردود فعل غير محسوبة في أية لحظة، وربما إلى إيقاظ نعرات طائفية ومذهبية تهدد ما تحقق من مصالحة واستقرار.
لذلك، أنصح من يعنيهم الأمر بتوخي الحذر والمسؤولية، وعدم العبث بذاكرة الناس أو الاستهانة بمشاعرهم، لأن النتائج قد تكون سلبية وخطيرة ولا تحمد عقباها.
ويبقى السؤال، لماذا الآن؟ ولأي هدف؟ ومن المستفيد من إعادة فتح هذه الجراح؟
المصالحة لا تعني النسيان أو تزوير التاريخ، والتسامح لا يحول المجرمين إلى أبطال.
وفي صليما عام ١٩٧٦، لم تكن معركة بطولية، بل كانت مجزرة بحق المدنيين الأبرياء.
- محام مغترب مقيم في المكسيك



