
كتب د. عدنان جزيني – الحوارنيوز
بكل الأحوال، يجب أن تحضر الدولة إلى الجنوب. فرغم كل الملاحظات التي تشوب سلوك هذه السلطة، ورغم الطابع الشكلي الذي لا يزال يطغى على بعض زياراتها، فإن حضور رئيس الحكومة والأجهزة الرسمية يحمل معنى لا يجوز الاستهانة به: إنه أحد وجوه عودة لبنان الرسمي إلى الجنوب، وتثبيت حقوق أهله، ووضع السلطة أمام مسؤولياتها تجاه منطقة طال تقصيرها بحقها.
من هنا، علينا أن نشجّع حضور المؤسسات الحكومية والأجهزة الرسمية، وأن ندفع باتجاه جعله حضورًا فاعلًا ومستمرًا، حتى لو بدأ من بوابة الفلكلور والمراسم والصور التذكارية. فمَن يدخل الجنوب ويلتقي أهله ويعاين وجعهم، يصبح مطالبًا بمتابعة شؤونهم، وبالإجابة عمّا سيفعله لإعادة الإعمار، وتوفير الخدمات، وتأمين عودة الناس إلى قراهم وبيوتهم.
بهذا المعنى، يشكّل الحضور الرسمي «توريطًا» إيجابيًا للسلطة من اجل القيام بواجباتها . فالزيارة تضعها أمام ما عاينته، وتجعل تقصيرها اللاحق أكثر وضوحًا وإدانة لها كما وتسهل مسائلتها. وأهل الجنوب لهم الكثير على دولة حموها ودافعوا عن ترابها وقدموا لاجلها أغلى ما يملكون من دماء أبنائهم وأرزاقهم ومستقبلهم وهم أصحاب حقوق، والمطلوب أن تُترجم هذه الحقوق إلى قرارات وموازنات وخطوات تنفيذية يستطيع الناس أن يلمسوا أثرها.
لقد اتُّهمت هذه المنطقة، على الدوام، بأنها خارج الشرعية اللبنانية، واتُّهمت القوى التي تمثّلها بأنها تغرّد خارج سرب الدولة. لكن كيف يستقيم هذا الاتهام فيما تُترك حاجات الناس، وأعباء إعمار قراهم، ومتابعة أزماتهم، على عاتق تلك القوى؟ إن حضور الدولة وقيامها بواجباتها يخفّفان هذا العبء الثقيل، ويمنحان الحديث عن مرجعيتها مضمونًا عمليًا.
والجنوب الذي دافع عن لبنان، ودفع من أرواح أبنائه وبيوتهم وأرزاقهم، يستحق أن يجد مؤسسات بلده إلى جانبه. لذلك، فإن تشجيع حضور السلطة يسير جنبًا إلى جنب مع مساءلتها عن التقصير المزمن، ومطالبتها بتحويل الوعود إلى افعال.
فلنفتح الأبواب أمام كل حضور رسمي، ولنُبقِ مطالب الناس حاضرة في كل زيارة، ثم نتابع ما تحقق بعدها. ولْتكن زيارة رئيس الحكومة بداية التزام يمكن قياسه ومحاسبته.
وكما يقول المثل الشعبي: «البحر بكذب الغطاس». فلنرافق الوعود إلى باب التنفيذ؛ هناك تُختبر جدّية السلطة، وهناك يبدأ ردّ الحقوق إلى أهل الجنوب.



