العالم العربيسياسة

تونس: رحل الشاهد وجاء الفخفاخ.. فمن يتحمل مسؤولية الحكم؟

 

الهاشمي نويرة

نعترف أنّنا بالكاد نعرف رئيس الحكومة السيد إلياس الفخفاخ الذي نال وحكومته ثقة مجلس نواب الشّعب ،
هو أخذ دعمًا على الحساب قبل أن يعرض التفاصيل الضرورية لبرنامج حُكْمِهِ والذي من المنتظر أن يستند إلى ما جاء في وثيقة التعاقد المبرمة بين تحالف الأحزاب الحاكمة وكذلك ما تضمّنه خطابه أمام مجلس نواب الشّعب من خطوط عامّة.
  ولا ندري والحالة هذه ، كيف سيتفاعل نواب الشّعب مع برنامج ورؤية مرقّمين بعد أسابيع من الآن إذا كان هذا البرنامج وهذه الرّؤية قد لا يتوافقان مع ما يتبنّاه نواب الشّعب الذين ، وإن هُمُ كانوا موزّعين على كُتَل نيابية حزبية في أغلبها ، فإنّ التجانس والإتّفاق على سياسة واحدة وموقف واحد ليس الشّيء الأعدل قسمة بين مكوّناتها.
  ومعلومٌ أنّ حكومة الفخفاخ نالت ثقة 129 مِنَ النواب وعارضها 79 وهو ما يعني أنّ حكومة الفخفاخ ستواجه معارضة قوية وإن كانت غير متجانسة فضلا عن كون المساندين غير مضمونين في كلّ الحالات وإلى الآخر.
  ويستند هذا الرأي إلى أنّ أغلب الذين ساندوا منح الثقة لحكومة الفخفاخ وخصوصا نواب حركة «النهضة» أبدوا عديد التحفّظات والإحتراسات والشروط التي كان منطلقها بعض التردّد الذي قوبل به تعيين إلياس الفخفاخ ثمّ اختلافهم معه في تركيبة التحالف الحكومي وكذلك التبايُنات المحتملة حول السياسات المستقبلية للحكومة.
  ولا نريد القفز على الجدل الذي دار حول طبيعة مرجع نظر هذه الحكومة لأنّ ذلك سيكون عاملا حاسما في تحديد مسؤولية الحُكْم في المرحلة القادمة.
وقد كان إلياس الفخفاخ واضحا في ردّه على تساؤلات النواب إذْ ذكّر المجلس صراحة بأنّ الحزب الفَائِز في الإنتخابات فشل في تشكيل الحكومة وهو ما فتح المجال أمام رئيس الجمهورية لممارسة حقّه الدستوري في تعيين «الشخصية الأقدر» لتشكيل الحكومة.
  إنّ تعيين إلياس الفخفاخ هو قرار رئيس الجمهورية ، ولا نعتقد أنّه راجع فيه أيّ طرف وخصوصا حركة «النهضة» ، وكانت عملية تشكيل الحكومة معقّدة تدخّلت فيها الأحزاب المتحالفة وإلى حدّ مَا رئاسة الجمهورية بطُرُقٍ مباشرة وغير مباشرة ولعب فيها الفخفاخ دورا هامّا وهو ما يطرح بجدّية إشكالية المسؤولية،
من هي الجهة التي ستتحمّل مسؤولية الحُكْمِ خلال المرحلة القادمة؟
  هل هو الحزب الفائز في الإنتخابات (حركة النهضة) ، أم هو كامل التحالف الحاكم أو أنّ مسؤولية الحُكْمِ سيتحمّلها البرلمان أم هو إلياس الفخفاخ الذي سيصرّ على المحافظة على استقلاليته تُجاه الأحزاب؟
  وتقديرنا للأمر أنّ من يتحمّل المسؤولية هو صاحب الإختيار في تعيين رئيس الحكومة وهو رئيس الجمهورية قيس سعيّد والذي كانت أمامه شخصيات أخرى أقدر على تجميع الأحزاب وفتات الكتل البرلمانية ولكنّه آثر الإنسياق وراء حلمه الطوباوي بمواصلة ثورة لم تبتدئ أصلا.
  إنّ مسؤولية الرئيس واضحة لأنّه من اختار وفرض على الجميع خياره وهو يعي تماما أنّ رفض الأطراف الحزبية لخياره فرضية مستحيلة أو تكاد لأنّها تفتح على سيناريو إعادة الإنتخابات ، الشيء الذي تعتبره بعض الأحزاب والأطراف فرضية غير محسوبة العواقب.
ولكنّ مسؤولية الرئيس لا تُعفي بالكامل حركة «النهضة» من المسؤولية لأنّ التناقضات داخلها وجشع بعضها وخصوصا شقّ رئيس الحركة راشد الغنّوشي هي من أفشل تشكيل الحكومة الأولى وأوصلنا إلى «حكومة الرئيس» .
  إنّ الإنتخابات جُعِلَتْ لتحديد من يتحمّل مسؤولية الحُكْمِ لأنّه بخلاف ذلك فإنّنا نكون قد ضيّعنا وقت المواطن وأهدرنا المال العام ودخلنا في مسلسل تَحَيُّـلٍ حلقاته لا تنتهي وهو أمر وجب على رئيس الجمهورية قبل حركة «النهضة» والأطراف المتحالفة معها الوعي به واستيعابه.
إنّ تحديد المسؤولية السياسية عن الحُكْمِ هو من الأساسيات لضمان مبدإ التداول السلمي على السلطة ولذلك وجبت معرفة من يتحمّل المسؤولية في الحكومة ،  وبالطبع فإنّه من الهراء السياسي القول بأنّ إلياس الفخفاخ ـ الذي بُعِثَ من جديد وكان وحزبه دخلا مرحلة النسيان ـ يتحمّل مسؤولية سياسات وبرامج الحكومة.
إنّ رئيسَ الجمهورية مسؤولٌ لأنّه اختار من يرأسُ الحكومة والنهضة كذلك لأنّها ضيّعت على التونسيين وقتًا ثمينًا بسبب مشاكلها الداخلية ومن صوّت للحكومة يتحمّل تبعات تصويته وإلياس الفخفاخ الذي يحاول أنّ يتدارك فشله الشخصي وفشل حزبه بالتشبّه بـ«ثُوارِ» الفُرص الضائعة وبالإنخراط في «ثورة» بلا عَقْل ولا أفكار تنير طريقها ، كلّهم يتحمّلون قسطًا من المسؤولية .
  إنّ تونس تحتاج نخبة متشبّعة بالحسّ الوطني والإصلاحي وأبدا لَمْ ولن تكون في حاجة إلى «ثُوَار» ينهلون من أفكار ماضوية أو فوضوية أو هُمْ من منعدمي المعرفة والأفكار والسياسة، تونس تحتاج نخبة أفضل ووضعا أحسن يستجيب لطموح المواطن وحقّه في الحرّية والكرامة.
الصحافة اليوم
الجمعة 01.03.2020

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى