إغتراب

تأملات عائد من الغربة:هكذا احتضنت طفلتي بعد الحجر!

 

كتب نبيل هاشم:
أيهما أكثر صعوبة: أن تنحجر مسافرا بعيدا عن عائلتك، أو تنحجر قريبا منها ولا تقدر على لمس أفرادها أو أن تغمرهم رغم شدة الشوق؟
تجربة الحجر ومفرداتها جديدة وغريبة علينا، ولعلها أضافت للمغترب اللبناني تحديات نفسية تزيد من معاناة الغربة و صعوباتها… وعلى الجميع التكيف مع الواقع الجديد والأخذ بالحسبان هذا العامل المستجد…
أكثر ما يتصوره المغترب عند تعداد أيام عودته للقاء احبته هو لحظة احتضانه لأولاده (أو أهله) عند وصوله ،والتي تنسيه أيام البعد…فإذ باللقاء الاول يحكمه التباعد خوفاً على أحبته اكثر من شدة اشتياقه… وكيف لي أن أقنع طفلتي ذات الست سنوات أن "العبوطة" الطويلة التي تختزن اشواق البعد عليها يجب أن تنتظر ١٤ يوما؟
و كيف لها أن تقتنع أنها لن تستطيع الاقتراب مني، أو أن أروي لها قصة ما قبل النوم التي كانت تعد الأيام لحصولها؟
لعل إقناع ابنتي بهذا التباعد القسري كان من أكثر المفاوضات الشاقة التي اجريتها في حياتي انا وأمها!
لكن للأسف فشلت المفاوضات وكان  الحل بالنسبة لها الإستمرار بالvideo call  كما نفعل عن بعد وهو أهون من أن أكون أمامها وهي غير قادرة على لمسي أو مشاركتي الطعام!

من ناحية اخرى، هنالك بعض الفوائد للحجر، فعلى صعيد تحاشي العدوى، اضطررت أن أجري بحثاً معمقا وطورت ثقافة طبية لا بأس بها عن امكانية انتقال العدوى (لحد الهوس بعض الاحيان حيث كنت ارش كل شيء المسه حتى الهواء!).

في السفر، كان الهم كيفية تحاشي العدوى وأخذ كل الاحتياطات لتجنبها، بينما في الحجر يصبح الوسواس تجنب ان أعدي الاخرين! ولعل شعور الإحساس بالذنب بإمكان نقل العدوى لعائلتي ولأهلي (لا سمح الله) كان الرادع الاقوى لعدم التساهل بكل الاجراءات و الالتزام التام و الصبر على ال١٤ يوما.
عندئذ، تصبح مقارنة المعادلة اسهل: تحمل ايام الحجر،في مقابل التعايش مع الشك والشعور بالذنب في حال نقل العدوى الى أقرب الناس اليك…

في اليوم الرابع عشر كنت كالذي ينتظر نتيجة الامتحانات، ولأول مرة في حياتي أفرح لسماعي نتيجة "سلبي" بعد الامتحان!

هذا الفيروس (البلاء) أوقع البشرية في محنة استثنائيّة نحتاج معها إلى مسؤوليّات استثنائيّة، إذا تحمّلناها سننعم بالعافية تحت عين الله "فإنّ مع العُسرِ يُسرا إنّ مع العُسرِ يُسر". عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لا تكون مؤمنا حتى تعد البلاء نعمة والرخاء محنة، لأن بلاء الدنيا نعمة في الآخرة، ورخاء الدنيا محنة في الآخرة".
ربّنا نتضرّع إليك بصدق، وأنت الشّاهد على ضعفنا وخوفنا، أن ترحمنا وترأف بنا وتعطف علينا، بأن ترفع هذا البلاء عن عبادك، تحنّناً منك وكرماً.

نصيحتي و رجائي للآخرين من تجربة الحجر: التزام ال١٤ يوما – بالرغم من تخفيف الزامية ايام الحجر الآن- حتى "يقضي الله امرا كان مفعولا" ويرفع البلاء، حتى ذلك الوقت، معاناة ١٤ يوما تختفي عند احتضان الأولاد أو غمرة الاهل والاحباب!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى