منوعات

تأثير الوضع الإقتصادي الإجتماعي على تفاقم أمراض القلب والشرايين(الجزء الثاني)

 

كتب د.طلال حمود*
كنا في الجزء الأول من هذا البحث قد تكلّمنا في بعض المُقدمات لمحاولة فهم اهمية طرح هذه الإشكالية ،وقلنا اننا سنتحدّث عن تأثير الأزمة الإقتصادية الإجتماعية ومخاطرها الجسيمة على زيادة نسب الإصابة بأمراض القلب والشرايين في لبنان ،خاصة مع التدهور الغير مسبوق وعلى كل المستويات والذي نشهد فصوله المُتتالية والمُتسارعة منذ حوالي سنة. ولكن وقبل الكلام عن الوضع اللبناني لا بدّ لنا ان نتعرّف على المعطيات والدراسات العلمية المُتوفرة وخاصة في الدول المتقدّمة. فنحن نعرف  جيداً من تلك الدراسات والمعطيات العملية الواسعة أنّ المستوى الإقتصادي الإجتماعي له تأثير كبير على صحة القلب والشرايين. وأنّ هناك عوامل خطورة بيولوجية ونفسية وأخرى ناتجة عن تغيير نمط الحياة لها تأثير كبير على صحة الأشخاص الذين ينحدرون من بيئة إجتماعية "ذات مستوى معيشي منخفض" أو يعيشون في هكذا ظروف. مما يُفاقم بشكلٍ كبير عندهم من مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين.
وقد نُشِرت دراسات عديدة أكدت أنه في الدول المتقدّمة أو الغنية (التي أجرت هذا النوع من الدراسات) انّ هناك  مؤشرات لها تأثير مُباشر على أمراض القلب والشرايين وهي:

أ- مستوى الدخل الفردي : بحيث أثبتت دراسات مُتعدّدة بأنّ الأشخاص "ذوي الدخل المُنخفض أو المحدود" هم أكثر عُرضةً للذبحة القلبية أو للموت المفاجئ في الولايات المتحدة وفنلندا مثلاً. وذلك بغضّ النظر عن كمية السجائر والكحول المستَهلكة.وهناك دراسة أخرى مُدهشة أثبتت أنه وفي ذات الحي أو الحارة او المُجمّع السّكني، أنّ كل زيادة بمعدل عشرة آلاف دولار على المعدل الوسطي للدخل الذي يتقاضاه الفرد، هناك إنخفاض بنسبة ١٠% لخطر الوفاة من جرّاء ذبحة قلبية.وقد أظهرت دراسة هولندية أخرى أن ذوي الدخل المحدود الذين يدخلون إلى المستشفيات بسبب أزمات قلبية ناتجة عن مرض تصلب الشرايين التاجية للقلب هم عُرضةً أكثر من غيرهم لحصول وفيات بعد مرور ٢٨ يوم وبعد مرور سنة على دخولهم المستشفى.وهم يتلقّون أقل بكثير من ذوي الدخل المرتفع، العلاجات المتطورة لهذه الأمراض مثل عمليات توسيع الشرايين بواسطة البالون والروسور وغيرها  منن العمليات المُكلفة. وكذلك هم غير قادرون على شراء الأدوية الباهظة الثمن أحياناً لعلاج هكذا أمراض.أخيراً أظهرت دراسة كندية أخرى أنّ ذوي الدخل المحدود لا يقدرون كما غيرهم على دخول مراكز إعادة التأهيل القلبي والرئوي المُخصّصة لذلك. وهذا ما أثبتت الكثير من الدراسات العلمية أهمّيته في تخفيف نسبة الوفيات من هذه الأمراض وكذلك في تخفيض حالات مُعاودة الدخول الى المستشفيات بسبب هذه الأمراض.
أخيراً أثبتت دراسة أخرى أن ذوي الدخل المحدود لا يتناولون بشكلٍ إعتيادي الأدوية  التي تُخفِّض الدهنيات وغيرها من الأدوية وإنّ لذلك أثر كبير على زيادة نسبة أمراض القلب والشرايين عندهم دون أدنى شك في ذلك.
ب-مستوى التعليم:نحن نعرف منذ عشرات السنوات أنّ هناك علاقة عكسيّة بين المستوى التعليمي أو الثقافي ونسبة الإصابة بأمراض القلب والشرايين. فكلّما إرتفع هذا المستوى الثقافي التعليمي، كلّما انخفضت نسبة هذه الأمراض. وقد أظهرت دراسة واسعة أُجرِيت في أستراليا و نيوزيلاندا وشملت 86835 شخص أنّ الأشخاص الذين لم يتجاوزوا المرحلة الإبتدائية في التعليم تزداد عندهم نسبة الإصابة بهذه الأمراض ونسب الوفيات منها بشكلٍ كبير، مقارنةً مع الأشخاص الذين بلغوا المستوى التعليمي الثانوي والجامعي أو ما فوقه. وإذ أظهرت هذه الدراسة أنّ مستوى التعليمي المُتقدّم كان يُصاحبه إرتفاع كبير في مستوى تناول الكحول، لكنه كان يتصاحب مع مستويات أقل من التدخين وإرتفاع الضغط الشرياني وإرتفاع الدهنيات والإصابة بمرض السُكّري من النوع الثاني.  وكلها عوامل خطورة معروفة لأمراض القلب والشرايين. وتشير الدراسات أيضاً أنّ المستوى التعليمي يؤثر بشكلٍ كبير على عوامل الخطورة التي تتسبّب بأمراض القلب والشرايين بحيث أظهرت دراسة هولندية في هذا المجال، أن المستوى التعليمي المتدنّي يتصاحب مع عوامل خطورة بيولوجية وأخرى ناتجة عن تغيير نمط الحياة بحيث يزداد التدخين والبدانة ونمط الحياة الخاملة(عدم اعتماد الرياضة) وإرتفاع الضغط الشرياني.كذلك فإنّ المستوى العلمي المُتدنّي يتصاحب حتماً مع عدم الثبات والإنتظام في تناول مُختلف انواع الأدوية وهذا طبيعي بسبب نقص الموارد ونقص الثقافة والوعي الطبي.
ج-الوضع الوظيفي:لا يخفى على أحد القول بأن العمل هو أحد اهم المؤشرات بالإصابة بأمراض القلب والشرايين، بحيث أظهرت دراسات مُتعددة أن البطالة تزيد بشكلٍ كبير مخاطر الإصابة بأمراض القلب والشرايين. وقد أظهرت مثلاً إحدى الدراسات الهولندية التي تابعت وضعية العمل  عند كل المشاركين فيها أن نسبة أمراض القلب والشرايين إزدادت بمعدّل ٢٠% عند العاطلين عن العمل  خلال فترة مُتابعة الأشخاص الذين كانوا لا يعملون، مقارنةً مع الذين كانوا يعملون. وقد جاءت هذه الزيادة الخطيرة نتيجة تغيير كبير في نمط الحياة عند الأشخاص العاطلين عن العمل شمل زيادة كبيرة في معدّلات التدخين وإستهلاك الكحول والإفراط الغير طبيعي في تناول الطعام. وأظهرت دراسة أخرى أن البطالة زادت خطر الإصابة بذبحة قلبية بنسبة ٣٥% في السنة الأولى للبطالة عند الأشخاص الذين يعيشون في الولايات المتحدة الأميركية.  وأكدت دراسات فرنسية أخرى هذه المعطيات وأثبتت أن البطالة تتصاحب مع زيادة كبيرة لمخاطر التعرّض لأزمة قلبية وللوفاة بسبب ذلك، وكل ذلك جاء بغضّ النظر عن المعطيات السريرية والإقتصادية والإجتماعية ونمط الحياة لكل الأشخاص المشاركين في الدراسة.
د-العوامل البيئية: أظهرت العديد من الدراسات أن العامل الإجتماعي الإقتصادي للحي الذي يسكن فيه المريض إضافة الى العامل الإقتصادي الأجتماعي ذاته له تأثير كبير على الإصابة بأمراض القلب والشرايين. وقد نُشرت منذ فترة دراسة مُهمة أظهرت أن الأشخاص الذين يعيشون في أحياءٍ فقيرة أو شعبية لا تتوفر فيها الخدمات العامة بشكل كبير، تزداد عندهم نسبة الإصابة بأمراض القلب والشرايين بشكلٍ مهم بغضّ النظر عن مستوى الناتج الشخصي والمستوى التعليمي والمستوى الوظيفي للفرد الذي يعيش في هذه الأحياء. واذا دققنا في هذا العامل البيئي للمنزل الذي يقطن فيه الشخص نجد أنّ هناك عوامل مهمة تلعب دور في التأثير على أمراض القلب والشرايين مثل وجود أرصفة للقيام بالتمارين الرياضية وحدائق عامة للتنزّه  والإسترخاء وتسهيلات في الوصول الى النقل المشترك وسهولة الوصول إلى أطعمة صحيّة وعدم وجود مراكز تُقدّم المساعدات للأشخاص المحتاجين.
وكذلك بسبب ازدياد نسبة الجرائم وعدم وجود تماسك إجتماعي وارتفاع مستويات الصخب والقلق والتوتر في هذه الأحياء .كذلك فإنّ الأحياء الشّعبية تشكو من عدم وجود تعاونيات تجارية كبيرة ومحلات واسعة لتأمين الأطعمة الصحّية وتتميز بوجود عدد أكبر من المطاعم التي تقدم الوجبات السريعة، ممّا يُخفّف بشكل كبير من نسبة تناول الفواكه والخضار الطازجة. وهذا ما له تأثيره الكبير في زيادة أمراض القلب والشرايين.ويُستعمل طبياً "مصطلح الصحراء الغذائية" لوصف هكذا نوع من الأحياء حيث يشكو القاطنين فيها من نسب عالية من الأمراض المُزمنة ومن البدانة والسُكّري.
ه-المعدل الوسطي المتوقّع للحياة: بحيث أشارت دراسات عِدة أنه هناك عوامل كثيرة أدّت الى زيادة متوسط معدل الحياة المأمولة في معظم الدول الغنية خلال القرن الماضي. لكن الأشخاص الذين يعانون من مشاكل إقتصادية وإجتماعية لم يستفيدوا بشكلٍ كبير من هذا التقدّم. وقد أظهرت مثلاً دراسات أُجريت في الولايات المتحدة، أنّ الوضع قد تفاقم هناك بشكل خطير نتيجة إرتفاع مُعدّلات حالات الإنتحار وإستهلاك الكحول وحالات الوفيات المفاجئة الناتجة عن إستعمال مفرط لجرعات كبيرة من المخدرات. وهذا ما أدّى إلى تراجع المعدل الوسطي للحياة المأمولة في الولايات المتحدة بمعدل سنتين ونصف عند الفئات المُهمّشة بسبب حالات تفكك المصانع وزيادة عدد المساجين بشكلٍ خاص.
كذلك إرتفع مُعدّل الإنتحار بشكلٍ كبير في الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة ، خاصّة في المناطق الريفيّة بسبب الإنتشار العشوائي للأسلحة الفردية في هذه المناطق. كذلك وتشهد الولايات المتحدة الأميركية حالات كثيرة من الوفيات اليائسة مثل الإنتحار والوفيات بسبب تشمع الكبد بسبب كل تلك العوامل ومن اهمها البطالة.وتُظهر مُعطيات نُشرت مؤخراً في بريطانيا أن الفقراء يعيشون مُعدلاً وسطياً أقل بكثير من المعدلات الوسطية المأمولة للحياة التي يصل إليها الأغنياء، حيث أظهرت الدراسات أن هناك فارق كبير في المعدل الوسطي المأمول للحياة في ال ١٥ سنة الأخيرة ما بين ٢٠٠١ وال ٢٠١٦. وإن هذا الفارق كان ٦،١ سنة  في ال ٢٠٠١ وارتفع الى ٧.٩ سنة في ال ٢٠١٦ عند النساء.و كان ٩ سنوات في ال ٢٠٠١ وارتفع الى ٩.٧ في ال ٢٠١٦ عند الرجال. ويقول الخبراء أن العوامل التي أدّت الى هذا الفارق الكبير في المعدل الوسطي للحياة المأمولة في بريطانيا كان نتيجة عدة عوامل من ضمنها الوفيات الكثيرة عند الأطفال ما قبل عمر ال٥ سنوات خاصة عند المولودين الجدد،ارتفاع نسبة الأمراض الرئوية،ارتفاع نسبة أمراض تصلب الشرايين،ارتفاع نسبة مختلف أنواع السرطانات التي تصيب الجهاز الهضمي والرئتين عند الأشخاص الذين يعملون وأخيراً نتيجة انتشار مرض ألزهايمر وأمراض الخَرَف الأخرى عند الأشخاص المُتقدّمين بالسن. وتُشير المعطيات البريطانية الى أنه وبعكس الطبقات الغنية فإنّ مُتوسط العمر المُتوقع عند الأشخاص ذوي الدخل المحدود لم تتقدم أبداً خلال السنوات الأخيرة بل أنها في انخفاض مستمر وخفيف منذ حوالي ٦ سنوات، مما يشير الى أن الطبقات الفقيرة لا تتلقى بشكلٍ طببعي الخدمات الصحية اللازمة ولا تهتم أصلاً بشأن الوقاية من مختلف أنواع الأمراض. ولذلك تعمل السلطات البريطانية على السعي لصدع هذه الهوّة الكبيرة بين الطبقات الفقيرة والطبقات الغنية من أجل الوصول الى حالة ع بين مختلف الطبقات.

*طبيب قلب تدخّلي- مُنسّق ملتقى حوار وعطاء بلا حدود- هاتف 03832853

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى