سياسةمحليات لبنانيةمن هنا نبدأ

بين مزاج النخبة ومزاج الناخبين(واصف عواضة)

 

كتب واصف عواضة

لم تكن النخبة في لبنان يوما مقياسا او معيارا للناخبين في صناديق الاقتراع العامة ،نيابية كانت ام بلدية .فمزاج الناخبين مختلف تماما عن مزاج النخبة ،ولو كانت هذه المعادلة خاطئة لما وصل  لبنان الى ما وصل اليه من تداع منذ الاستقلال حتى اليوم. 

مناسبة هذا الكلام ،نتائج انتخابات نقابة المهندسين الأخيرة ،وقبلها انتخابات نقابة المحامين ،وبعدها نقابة الأطباء في المستقبل . 

لا يعني هذا الكلام أننا مستاؤون من النتائج التي افرزتها انتخابات النقابتين السالفتي الذكر ،بل سنكون سعداء جدا اذا ما انسحبت هذه النتائج على انتخابات النقابات الأخرى وصولا الى الاتحاد العمالي العام الذي ضاق صدرنا وانفاسنا بعجزه عن مخاطبة ومواكبة هموم ومشاكل الناس.   

لكننا نرى بلا مواربة ان الرهان على التغيير الشامل ،سياسيا واقتصاديا واجتماعيا،استنادا الى التغيير الحاصل في النقابات ،يحمل الكثير من المبالغة لأكثر من سبب جوهري .وكي لا تأخذنا العزة بالإثم ،يفترض التنبه لهذه المسألة حتى لا تتجدد الصدمات التي عاشها جيلنا والاجيال التي سبقتنا عند كل مفترق. 

فالنظام السياسي القائم على الطوائف وحصصها المحسوبة بدقة ،عامل مؤثر جدا في اي تغيير منشود من خلال  انتخابات عامة.وواهم من يعتقد ان هذا النظام يمكن ان ينتج تغييرا تحلم به النخبة الخارجة عن سلطة الطوائف ،هذا اذا كانت النخبة ،كل النخبة النقابية ،خارج موازين الطوائف وحساباتها ،وهو أمر اثبتت التجارب عدم صحته. 

 

وليس سرا ان حسابات النخبة مختلفة عن حسابات الناخبين. ففيما تحلم النخبة ،او بعضها او حتى معظمها،بتغيير يقلب الموازين السائدة ،يطمح عامة الناخبين الى  تحقيق نصر مؤزر لهذا الزعيم الطائفي او ذاك ولائحته الانتخابية ،لحسابات منفعية ظرفية .

وليس سرا ايضا ان قادة النظام الطائفي ومرجعياته قادرون على تأمين الخدمات للناس أكثر بكثير من الخدمات التي تقدمها النخبة والتي تقتصر في معظم الاحيان على البيانات والمواقف التي لا تسمن ولا تغني عن جوع. فالشريحة الاولى تملك السلطة وتتحكم بها وتوزع الاعطيات على الجمهور ،فيما الشريحة الثانية بالكاد تملك زمام أمرها.

ان الرهان على التغيير ضرورة لا بد منها في لبنان .فالبلد ونظامه في طريق مسدود،وقد اثبتت التجربة خلال ثلاثة عقود من الزمن ان صيغة الطائف بما وصلت اليه وتوقفت عنده ،هي اسوأ صيغة نظام سياسي عرفها العالم.فلا هو بالنظام البرلماني الصحيح ،ولا هو بالنظام الرئاسي القائم على مركزية السلطة،ولا هو بالنظام الديموقراطي السليم. فكيف لنظام قائم على الرفض والفيتوات ان ينتج بلدا ودولة ووطنا،وآخر النماذج كان في انسداد الأفق امام تشكيل حكومة خلال تسعة اشهر من المماحكات والنكد السياسي. 

 

ان التحدي الذي يواجه النخبة النقابية  يكمن في اقترابها عمليا من هموم الناخبين ومصالحهم ومزاجهم ،من خلال تحقيق التغيير داخل صفوفها اولا،ومن خلال التعاطي بصدق مع الناس ثانيا ،وبالتالي تمايز ثقافتها عن الثقافة السياسية السائدة وليس التهالك على الوصول الى السلطة.. وعندما تلمس الناس ذلك وتتلمسه ،يمكن ان يتغير مزاجها في صناديق الاقتراع. اما اذا بقيت النخبة تتعاطى مع الواقع بعقلية التحدي والنكايات والنكد،تماما كما تفعل الطبقة السياسية ،فإن أبواب الرجاء والأمل ستبقى موصدة ،وسيبقى الرهان على التغيير مجرد وهم لا أكثر ولا أقل .فتعديل مزاج الناخبين يتطلب الكثير من الجهد والمصداقية لتحقيق الهدف النشود للتغيير ..وإن غدا لناظره قريب ،ومن يعش ير ..  

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى