رأيسياسةمحليات لبنانية

بين رواتب الوزراء والفقراء:إحذروا عزيز قوم ذلّ(واصف عواضة)

كتب واصف عواضة – خاص الحوار نيوز

 

قال لي وزير سابق في حكومة الرئيس حسان دياب قبل فترة، إن دخله الشهري قبل تنكبه مهامه الوزارية “كان يوازي نحو 25 ألف دولار أميركي ،واليوم صار راتبه أقل من 700 دولار”.

وحيث أن معظم الوزراء الذين يعملون في القطاع الخاص أو في الخارج يخسرون وظائفهم،سألتُ معاليه عن السبب الذي أجبره على التخلي عن مدخول كهذا من أجل الوزارة ،فأجاب ممازحا :”ضرب هبل”.

والواقع أن هذه الحالة تنطبق اليوم على معظم وزراء حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الذين جاؤوا من مواقع مهمة في الداخل والخارج ،ليتلقوا راتبا رسميا هو أقل من 700 دولار شهريا.

والحقيقة أن رواتب كبار المسؤولين في لبنان من رؤساء ووزراء ونواب ،كانت تعتبر من الأعلى عالميا ،قياسا الى سعر صرف الدولار الأميركي قبل الانهيار المالي الأخير،أي على سعر 1500 ليرة للدولار.

      ووفق جداول وزارة المالية، تحدّد الرواتب الشهرية للمسؤولين السياسيين اللبنانيين خلال خدمتهم كالآتي: رئيس الجمهورية 18.75 مليون ليرة لبنانية، رئيس مجلس النواب 17.737 مليون ل.ل، رئيس مجلس الوزراء 17.737 مليون ل.ل، الوزير 12.937 مليون ل.ل والنائب 12.75 مليون ل.ل. بمعنى آخر كان راتب الوزير 8600 دولار فصار اليوم في حدود 700 دولار على سعر الصرف المترجرج هذه الأيام.

   ولكن لا نعتقد أن الوزراء الحاليين والسابقين (إلا في ما ندر) ،نادمون على تنكبهم صهوة الوزارة بسبب إنخفاض قيمة رواتبهم الى هذه الدرجة .وبالتأكيد ليس الموضوع “ضرب هبل” كما يقول “صديقي الوزير” في ما سلف.ولذلك أسباب عدة ،نادرا ما يكون بينها “الخدمة العامة” و”مصلحة الناس” وغير ذلك من التعابير البرّاقة.

لا يعني ذلك أن الحكومات اللبنانية السابقة خلت من وزراء نظيفي الكف والضمير ، اتسموا بالشفافية والأخلاق ،وكان هدفهم فعلا انتشال البلد من من الهاوية.لكن الوزراء في بلادنا متهمون في نظر الناس إلى أن تثبت براءتهم ،بعكس النظرية القضائية السائدة (المتهم بريئ الى أن تثبت إدانته). وينطبق هذا الأمرعلى مختلف المسؤولين في لبنان ،رؤساء ووزراء ونوابا وموظفين كبارا.ولهذه القاعدة الشعبية أسبابها ومبرراتها الجوهرية.

   بعض المسؤولين في بلادنا ،خاصة الوزراء،تولوا مهامهم وهم أثرياء،فحافظوا على نظافة كفهم أو زادوا من ثرواتهم بفعل أعمالهم الخاصة .لكن كثيرين استخدموا السلطة متراسا ،إما لتضخيم ثروتهم أو لتحقيق ثروات.ويسأل المواطنون عن مثل هؤلاء الذين تولوا السلطة فقراء فباتت لديهم الدور والقصور والحسابات المصرفية الطائلة في لبنان والخارج،من دون أن تتنكب أي سلطة لسؤالهم من أين لك هذا؟.ولطالما يتندر اللبنانيون في هذا المجال  بأبيات طريفة للشاعر العاملي الشهير موسى الزين الشرارة الذي توجه ذات يوم لأحد الوزراء(وبعضهم يقول لمدير الوزارة) قائلا:

 يا وزير الإقتصاد الوطني

قل لنا من أين أصبحت غني 
لم تهاجر لم تتاجر لم ترث

عن أبيك الفذ غير الرسن ِ 

لو قضى والدكم فيما مضى

 غـُرّمت قريتكم بالكفن ِ 

 

    في الخلاصة ،لا يشغل بالنا كيف يتدبر الوزراء أمورهم بأقل من 700 دولار،بل أن ما يشغل البال كيف سيتدبر معظم الناس أمورهم بعد اليوم بأقل من سبعين دولارا.فالوزراء على الأقل لديهم “خميرة” تكفيهم مؤونة الحياة ،أو أنهم يغرفون من موازنات الوزارة وغيرها ما يفيض عن حاجاتهم.أما فقراء بلادي الذين تقول الدراسات الدولية أنهم فاقوا نسبة السبعين بالمائة ،فهم من يجب أن يشغلوا بالنا وبال الحكومة والوزراء في المرحلة المقبلة،وهذا الموضوع هو أبرز التحديات التي يواجهها “النجيب الثالث” وحكومته على قاعدة “إرحموا عزيز قوم ذل”.ولهذه القاعدة حكاية تروى عن الرسول الأكرم النبي محمد نختم بها هذه المقالة:

 

“أرسل النبي جنده إلى ديار طي، بقيادة على بن أبى طالب ، ففزع زعيمهم عدي بن حاتم الطائي ، وهرب إلى الشام، وكان حينها من أشد الناس عداوة لرسول الله، وأخذ الجند الغنائم والخيل والنساء، وأسروهم، وعادوا بهم إلى الرسول .وكان من بين الأسرى “سفانة” بنت حاتم الطائي، والتي وقفت بين يدي الرسول وقالت: “يا محمد، لقد هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلي عني، ولا تشمت بسيد أحياء العرب.فأنا أبي كان سيد قومه، يفك العاني، ويقتل الجاني، ويحفظ الجار، ويطعم الطعام، ويفرج عن المكروب، ويفشي السلام، ويعين الناس على نوائب الدهر، وما أتاه أحد، ورده خائبًا قط، أنا بنت حاتم الطائي”.
فقال الرسول: “والله هذه أخلاق المسلمين، لو كان أبوك مسلمًا لترحمنا عليه. اتركوها، فإن أباها كان يحب مكارم الأخلاق”. وفك أسرها هي، ومن معها، إكرامًا لخصال أبيها، وقال: (ارحموا عزيزًا ذل، وغنيا افتقر، وعالما ضاع بين جهال).

يبقى أن نقول للرئيس ميقاتي وحكومته:”إحذروا عزيز قوم ذل،وغنيا افتقر”..والسلام على من اتبع الهدى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى