سياسةمحليات لبنانية

بلد محكوم من المحظوظين: لماذا يفشل ابن العلم وينجح ابن السوق؟

    المتعلم ضحية علومه، إذ ان دماغه قد تمت برمجته حسابيا وفكريا وفق قواعد العلوم ووفق آداب الكتب المثالية ،ما جعل الفكر لديه في النظرة والتحليل والأحكام يسير وفق منطق حسابي دقيق تواكبه تراكمات اخلاقية من الصعب التخلص منها فمعادلة:2+2=4 و
100÷25=4
  ولا يمكن لدماغ المتعلم ان يعطي ارقاما خاطئة ،لذلك عند دراسة اي مشروع تجاري يقوم الدماغ بعمليات حسابية دقيقة آخذا بعين الاعتبار الشروط الموضوعية والذاتية للمجتمع وللأفراد وللسوق وللسياسة وللاقتصاد وللمناخ والخ.. من العوامل المؤثرة ،ما يجعله يصل الى نتيجة علمية تشاؤمية وخاسرة في أغلب الاحيان ،لأنه اشبع المشروع تحليلا علميا ورقميا ،معتمدا على الارقام والعلوم التي يعرفها ما يجعله ينكفىء او يتردد او يتأخر او يتراجع عن مشروعه، ما يجعل طموحه البحث عن وظيفة آمنة ذات راتب مؤمن عند آخر الشهر، لأن عمره الذي امضاه في الدراسة الطويلة يلزمه بأيجاد حلول سريعة لتأمين نفسه ومساعدة أهله .

   غير المتعلم او الذي لم يكمل علمه او الراسب والفاشل في الدراسة يتوجه باكرا الى سوق العمل والعلاقة المباشرة مع الناس ،ما يجعله اكثر خبرة وحنكة واحتيالا ومكراً في التواصل مع التجار المنافقين واسرار كسبهم للمال الحرام قبل الحلال، واكثر دراية في التعاطي مع الموظفين المرتشين في الدولة، واكثر دهاء في التعاطي مع الفاسدين في القطاع الخاص .والأنكى من كل ذلك ان دماغه في تحليل المعادلة:
2+2=4
  ليس بالضرورة ان تكون الاجابة =4 بل 5 او 6 او 7 حسب الرشوة وحسب السمسرة وحسب الطرق الملتوية، واذا اضفنا ان دماغه غير المبرمج على قواعد العلوم يجعل منه مغامرا بعقل مقامر يقتحم المجهول متكلا على الربّ اوعلى الاقدار او على الحظ ،وليس وفق دراسة متكاملة منطقية ،ومن دون الاخذ بالاعتبار لكل الاحتمالات الموضوعية وغيرها، فإما ان يفشل ويعرف حجمه الطبيعي ويعود للتعتير ،واما تخدمه الاقدار بالصدفة كنصيب وحظ ،فيحقق نجاحات عبر عقله المغامر واسلوبه المقامر .
    وينجح البعض من هؤلاء، وليس جميعهم، فيغامرون اكثر لاعتقادهم ان الرب او الاقدار او الحظ قد رزقهم فيجمعون ثروة تؤهلهم بان يوظفوا  المتعلمين الباحثين عن وظيفة آمنة لديهم ،مستفيدين من علومهم في تطوير اعمالهم ما يجعلهم ناجحين اكثر لجمعهم بين الدهاء والمكر ومعرفة طباع الناس ومكامن الضعف في رشوة اصحاب الدولة وبين العلوم والآداب ،فيحققون ثروات كبيرة تجعلهم يتصدرون الصفوف الاولى في المجالس كفاعلي خير اجتماعيين ،يثبتون لأنفسهم وللآخرين وخاصةلأساتذتهم ولزملاء الدراسة وللأهل وللمحيط، أنهم ما كانوا الكسالى في المدرسة بل الناجحين في المجتمع ،بل اكثر من ذلك فإن بعضهم لا يكتفي بالمال بل يقفز الى السلطة متعاونا مع ابالسة المجتمع والامن والكهنة والمخابرات ، ضعاف النفوس امام المال فيتصدرون الحكم في البلاد.
واغلب هؤلاء وتكفيرا عن ذنب تجاراتهم الاولى او احتيالاتهم الاولى او سرقاتهم وجرائمهم الاولى ،يبادرون لبناء المساجد او الكنائس والتبرع للآلهة وابعاد البلاء عنهم عبر الصدقات وعمل الخير مع المحتاجين والفقراء، ولا يفعلون ذلك فقط من أجل تبييض الاموال ، بل يفعلون ذلك لتطهير أفكارهم النجسة من الذنب وتنظيف سجلهم المؤذي للمساكين من ضحاياهم  لدى الملائكة الجالسين على الكتف الأيمن، لعلهم يرشونهم بالخدمات ليرفعوا تقاريرهم الى الرفيق الاعلى لعله يغفر ويسامح جرائمهم الاولى التي سمحت لهم بتجمع نواة الثروة…

   الملك اليوناني فيليب طلب من ارسطو ان يهذب و يعلم ابنه الاسكندر افضل العلوم ،لكن والدة الاسكندر كانت أعلم من زوجها وافهم من أرسطو في علم النفس والاجتماع لانها رفعت الدعاء للآلهة قائلة:
"اللهم اجعله من اصحاب الحظوظ ليخدمه أصحاب العقول ،ولا تجعله من اصحاب العقول ليخدم اصحاب الحظوظ ".
أبتسم انت في وطن يحكمه أصحاب الحظوظ…
 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى