سياسةمحليات لبنانية

الموازنات الموعودة: سبق الرّهان على الخيارات الاقتصادية الفاشلة

 

"…ما يتوق إليه الناس، حكّام يتصرّفون في الحكم كرجال دولة لا كرجال أعمال…"، هذا ما يقوله "ميشال شيحا" أبو "الصيغة الاقتصاديّة اللبنانيّة الفريدة"، التي ما تزال آثارها ماثلة للعيان، في كلّ حركة ومندرج من مندرجات الاقتصاد اللبنانيّ، المرتكزة على قطاع خدماتيّ ريعيّ، طفيليّ، دون غيرها من القطاعات الانتاجيّة، المؤدّية إلى تركّز الثروة، في يدِ قلّة من الشعب اللبنانيّ، على حساب غيرها من الشّرائح، تتحكّم بديناميّة السياسة، والاقتصاد، والاجتماع، ما يجعل من "الإصلاح الاقتصاديّ"، كلامًا فارغًا دون معنى، لا جدوى منه، ولا قابليّة تنفيذيّة له.
إنّ مهمّة الوساطة التي عُيّنت للبنان فقدت معناها و "سِمة الاقتصاد الحرّ" باتت في ظروفنا اليوم، لغوًا، ونعتًا، لا تدلّ على معناها الحقيقيّ،  والتركيز على قطاع الخدمات والوساطة بات لزوم ما لا يلزم، ما إن عَتّبنا بوابة الحرب الاهليّة اللبنانيّة، ومحاولة استعادتها (الوساطة) مع انتهائها (الحرب)، أودت بنا نحو بئرٍ لا قعر له، استحال الخروج منه معجزة، وها نحن نحصد نتيجة ذاك الزّرع، فلا القطاع العقاريّ استطاع أن يُنقذنا مما نحن فيه، ولا القطاع الماليّ، وبتنا تحت مديونيّة عامّة قياسيّة، وصلت إلى أكثر من ١٥٠٪ من النّاتج المحليّ.
في نقاش موازنات الأمس واليوم، لم يتغيّر خيار "الصيغة الفريدة"، لدى متسنّمي السلطة، لا يزال التركيز على قطاعي الخدمات والمال، ولسوء حظّهم، لا إمكانيّة لديهم للرّهان على القطاع العقاريّ لقبوعه في زاوية الرّكود، الخيارات عينها، لا تغيير يُذكر، العقول قابعة في نهاية أربعينيّات القرن الماضي، او لنكن منصفين، مُحدَثة على أوائل تسعينياته، والاقتصادات المحيطة بنا على ما هي في الذاكرة، لا هي تغيّرت بالنسبة لهم، وهم بدورهم ثابتون على ما تراءى لهم ذات يوم اقتصادا.
لا إصلاح في لبنان ما لم تحلّ مشكلة هجرة الطاقات والمهارات، وفتح الفرص للمبدعين والمنتجين، وردم هوّة الفوارق الاجتماعيّة، التي اوجدتها سياسات الريع والمحسوبيّة والزبائنيّة، وإعادة الاعتبار للتخطيط المركزيّ، والعودة إلى المثلّث الذهبي، الزراعة فالصناعة ومن بعدهما التجارة والخدمات، ولا نفع يذكر من سياسات الهروب إلى الأمام، وتمويل الموازنات بالضرائب التي ستستنفذ بعد حين، وعندها، لا ندم يفيد ولا ساعة مندم.

 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى