رأي

المنطقة بين خيارين: التسوية الكبرى او .. الحرب الكبرى( أكرم بزي)

 

‎كتب اكرم بزي – الحوارنيوز
‎في قراءة المشهد الملتهب الذي عاشته المنطقة منذ مساء الاحد وحتى صباح اليوم الاثنين، لم يكن الخرق الكبير الذي احدثته الصواريخ الباليستية الايرانية للهدنة الهشة مجرد حدث عسكري عابر، بل كان زلزالا سياسيا رصدت ارتداداته شاشات الاعلام الاسرائيلي، عاكسة حجم الصدمة والارتباك في محاولة استيعاب الموقف عسكريا وسياسيا بين حدين لا ثالث لهما: التسوية الكبرى او الحرب الكبرى، اذ لم تتأخر تل ابيب في ترجمة وعيدها ميدانيا عبر تنفيذ سلاح الجو الاسرائيلي صباح اليوم الاثنين سلسلة غارات استهدفت مكونات استراتيجية داخل المجمع البتروكيميائي في مدينة ماهشهر الايرانية، ردا على الرشقات الصاروخية التي طالت مواقع في شمال ووسط اسرائيل بما في ذلك قاعدة رامات ديفيد الجوية، وهو هجوم يمثل تحولا غير مسبوق في قواعد الاشتباك كونه المرة الاولى التي تبادر فيها ايران بالقصف المباشر ردا على قصف بيروت، مكرسا بذلك يدا طولى لايران لم تعد تكتفي بالدفاع بل باتت تمتلك زمام المبادرة والقدرة على فرض المعادلات التي تدفع بالمنطقة نحو حافة الانفجار الشامل، في وقت اعلنت فيه هيئة الطيران المدني الايرانية اغلاق الجزء الغربي من مجالها الجوي حتى اشعار آخر.
‎وامام هذا المشهد الذي انتقل فيه الاشتباك من التهديد إلى المواجهة المباشرة، سادت في التحليلات العبرية حالة من التخبط حول ما ستؤول إليه الأمور في مخاض المفاضلة بين الذهاب الى اتفاق شامل او التدحرج نحو مواجهة مفتوحة، اذ نقلت القناة الثانية عشرة عن مسؤول اسرائيلي رفيع المستوى في الكابينت تساؤلاته عن جدوى الرد المحدود الذي تم تنفيذه، واصفا الضربة الايرانية بأنها تجاوز للخطوط الحمر وخرق فاضح للتفاهمات السابقة، وهو الموقف الذي تكرس في الصحف العبرية عبر بيان رئيس اركان الجيش الاسرائيلي ايال زامير الذي أشار إلى أن ايران ارتكبت خطأ فادحا، تاركا الباب مواربا لمزيد من التصعيد، لاظهار القدرة على شن عمليات هجومية واسعة النطاق في عمق الاراضي الايرانية وترميم الردع العسكري الذي أصيب بصدع كبير، لتضع هذه التطورات بنيامين نتنياهو في وضع لا يحسد عليه امام واحدة من اخطر المعادلات السياسية في حياته، فهو يدرك ان الاكتفاء بهذا الرد المحدود والقبول بمسار التسوية، رغم ضغوط الجيش والشارع، يعني اعترافا علنيا بأن اسرائيل فقدت القدرة على الردع، بينما الذهاب الى خيار الحرب الكبرى يصطدم بعنف مع الحسابات الدولية والامريكية، مما يهدد بانهيار صورته امام الرأي العام الذي اعتاد على ردود مباشرة وعنيفة طوال عقود.
‎ولم تقتصر ارتدادات هذا التحول العسكري على الساحتين العبرية والاقليمية، بل انسحبت سريعا على الداخل اللبناني الذي شهد انقساما حادا وتناقضا واشتباكا في المواقف السياسية والشعبية بين من يراهن على انكسار شوكة المقاومة ومن يرى في الميدان طريقا لفرض شروط جديدة، فبينما تبدى موقف فريق السلطة ومؤيديها من اليمينيين والسياديين في حالة من الشماتة الضمنية والمعلنة بالضربة الاسرائيلية التي سبقت الرد، برز في المقابل الفريق المؤيد للمقاومة وجمهورها العريض الذي هلل فرحا بالرد الصاروخي الايراني، معتبرا اياه تثبيتا لمعادلة ردع حاسمة وقوية على صعيد جبهة المقاومة برمتها، احرجت السلطة ومن معها ووضعتها في مأزق واضح الدلالة على أن إيران مستعدة كي تشن حرباً لأجل شعب لبنان، وهي المعادلة التي وضعت خيارات السلطة في لبنان وداعميها من القوى الخليجية والامريكية والاسرائيلية في مهب الريح، وبدت معها طروحاتهم السياسية وكأنها تلفظ انفاسها الاخيرة امام فرض القواعد الجديدة للاختيار بين ركوب موجة التصعيد الاقصى او الانصياع لمعادلة القوة.
‎لكن الرغبة الاسرائيلية في دفع الامور نحو حرب كبرى اصطدمت سريعا بجدار الدبلوماسية الامريكية الصارمة التي تبحث عن تسوية كبرى تقفل ملفات المنطقة، وهو ما سلطت عليه الضوء المقالات التحليلية لكبار المحللين السياسيين والعسكريين في صحيفتي يديعوت احرونوت وهآرتس مثل عاموس هرئيل وناحوم برنياع، اللذين ناقشا بقلق كواليس هذا الخلاف مستندين الى ما كشفه الصحفي باراك رافيد عبر موقع أكسيوس الامريكي حول الاتصال الهاتفي العاجل والتحذيرات الصارمة التي وجهها ترامب لنتنياهو من مغبة جر المنطقة الى حرب شاملة تطيح بفرص التسوية، لتبدأ معها ملامح اكبر مأزق سياسي لترامب منذ عودته للبيت الابيض، فالرئيس الامريكي المحكوم بحسابات داخلية حساسة وانتخابات نصفية مرتقبة، ومقيد بتنظيم بطولة كأس العالم على ارضه التي تمنعه من التورط في صور دعاية حربية مباشرة، يسابق الزمن للوصول الى مسودة اتفاق نهائي مع الايرانيين، ويبدو ان ايران التي ادركت هذا القيد الامريكي تحركت عسكريا وهي تعلم ان واشنطن لن تغامر بدخول مواجهة شاملة وستفضل انجاز الصفقة التاريخية، مما يترك نتنياهو معزولا في خياراته التصعيدية.
‎وتكاملت هذه التسريبات الدبلوماسية مع ما نقلته شبكة فوكس نيوز الامريكية مباشرة من تصريحات علنية لترامبك بدت كأنها كبح جماح لقطار الحرب وتدشين لتهدئة قسرية، حيث وجه فيها رسالة حاسمة للايرانيين قائلا ان قيامهم باطلاق الصواريخ كان كافيا، ومؤكدا انه سيتصل بنتنياهو ليطلب منه عدم التمادي في الرد لكون اسرائيل قد ردت بما فيه الكفاية، وهو ما يفسر الغضب الامريكي الدفين الذي تُرجم بتقرير البنتاغون حول رفع مستوى التهديد من التجسس الاسرائيلي على امريكا الى مستوى حرج بفعل ملاحقة الموساد للمفاوضات الامريكية الايرانية، لتصبح المعادلة حاليا صفرية بامتياز مع دخول مصالح اسرائيل في صدام مباشر مع اندفاعة ترامب نحو الصفقة، في سيناريو مفتوح سيكشف للايام المقبلة هوية الخيار النهائي، فاما ان يتمادى نتنياهو ويختار الحرب الكبرى فتنفجر المنطقة ويحارب بمفرده ليدمر مشروع ترامب السياسي في مقتل نزولا عند رغبة وزرائه المتطرفين مثل بن غفير، او يذعن للارادة الامريكية ويسير في ركاب التسوية الكبرى ليكون ذلك بمثابة مسمار النعش الاخير في مستقبله السياسي وينتهي الى الابد.

‎كتب اكرم بزي – الحوارنيوز
‎في قراءة المشهد الملتهب الذي عاشته المنطقة منذ مساء الاحد وحتى صباح اليوم الاثنين، لم يكن الخرق الكبير الذي احدثته الصواريخ الباليستية الايرانية للهدنة الهشة مجرد حدث عسكري عابر، بل كان زلزالا سياسيا رصدت ارتداداته شاشات الاعلام الاسرائيلي، عاكسة حجم الصدمة والارتباك في محاولة استيعاب الموقف عسكريا وسياسيا بين حدين لا ثالث لهما: التسوية الكبرى او الحرب الكبرى، اذ لم تتأخر تل ابيب في ترجمة وعيدها ميدانيا عبر تنفيذ سلاح الجو الاسرائيلي صباح اليوم الاثنين سلسلة غارات استهدفت مكونات استراتيجية داخل المجمع البتروكيميائي في مدينة ماهشهر الايرانية، ردا على الرشقات الصاروخية التي طالت مواقع في شمال ووسط اسرائيل بما في ذلك قاعدة رامات ديفيد الجوية، وهو هجوم يمثل تحولا غير مسبوق في قواعد الاشتباك كونه المرة الاولى التي تبادر فيها ايران بالقصف المباشر ردا على قصف بيروت، مكرسا بذلك يدا طولى لايران لم تعد تكتفي بالدفاع بل باتت تمتلك زمام المبادرة والقدرة على فرض المعادلات التي تدفع بالمنطقة نحو حافة الانفجار الشامل، في وقت اعلنت فيه هيئة الطيران المدني الايرانية اغلاق الجزء الغربي من مجالها الجوي حتى اشعار آخر.
‎وامام هذا المشهد الذي انتقل فيه الاشتباك من التهديد إلى المواجهة المباشرة، سادت في التحليلات العبرية حالة من التخبط حول ما ستؤول إليه الأمور في مخاض المفاضلة بين الذهاب الى اتفاق شامل او التدحرج نحو مواجهة مفتوحة، اذ نقلت القناة الثانية عشرة عن مسؤول اسرائيلي رفيع المستوى في الكابينت تساؤلاته عن جدوى الرد المحدود الذي تم تنفيذه، واصفا الضربة الايرانية بأنها تجاوز للخطوط الحمر وخرق فاضح للتفاهمات السابقة، وهو الموقف الذي تكرس في الصحف العبرية عبر بيان رئيس اركان الجيش الاسرائيلي ايال زامير الذي أشار إلى أن ايران ارتكبت خطأ فادحا، تاركا الباب مواربا لمزيد من التصعيد، لاظهار القدرة على شن عمليات هجومية واسعة النطاق في عمق الاراضي الايرانية وترميم الردع العسكري الذي أصيب بصدع كبير، لتضع هذه التطورات بنيامين نتنياهو في وضع لا يحسد عليه امام واحدة من اخطر المعادلات السياسية في حياته، فهو يدرك ان الاكتفاء بهذا الرد المحدود والقبول بمسار التسوية، رغم ضغوط الجيش والشارع، يعني اعترافا علنيا بأن اسرائيل فقدت القدرة على الردع، بينما الذهاب الى خيار الحرب الكبرى يصطدم بعنف مع الحسابات الدولية والامريكية، مما يهدد بانهيار صورته امام الرأي العام الذي اعتاد على ردود مباشرة وعنيفة طوال عقود.
‎ولم تقتصر ارتدادات هذا التحول العسكري على الساحتين العبرية والاقليمية، بل انسحبت سريعا على الداخل اللبناني الذي شهد انقساما حادا وتناقضا واشتباكا في المواقف السياسية والشعبية بين من يراهن على انكسار شوكة المقاومة ومن يرى في الميدان طريقا لفرض شروط جديدة، فبينما تبدى موقف فريق السلطة ومؤيديها من اليمينيين والسياديين في حالة من الشماتة الضمنية والمعلنة بالضربة الاسرائيلية التي سبقت الرد، برز في المقابل الفريق المؤيد للمقاومة وجمهورها العريض الذي هلل فرحا بالرد الصاروخي الايراني، معتبرا اياه تثبيتا لمعادلة ردع حاسمة وقوية على صعيد جبهة المقاومة برمتها، احرجت السلطة ومن معها ووضعتها في مأزق واضح الدلالة على أن إيران مستعدة كي تشن حرباً لأجل شعب لبنان، وهي المعادلة التي وضعت خيارات السلطة في لبنان وداعميها من القوى الخليجية والامريكية والاسرائيلية في مهب الريح، وبدت معها طروحاتهم السياسية وكأنها تلفظ انفاسها الاخيرة امام فرض القواعد الجديدة للاختيار بين ركوب موجة التصعيد الاقصى او الانصياع لمعادلة القوة.
‎لكن الرغبة الاسرائيلية في دفع الامور نحو حرب كبرى اصطدمت سريعا بجدار الدبلوماسية الامريكية الصارمة التي تبحث عن تسوية كبرى تقفل ملفات المنطقة، وهو ما سلطت عليه الضوء المقالات التحليلية لكبار المحللين السياسيين والعسكريين في صحيفتي يديعوت احرونوت وهآرتس مثل عاموس هرئيل وناحوم برنياع، اللذين ناقشا بقلق كواليس هذا الخلاف مستندين الى ما كشفه الصحفي باراك رافيد عبر موقع أكسيوس الامريكي حول الاتصال الهاتفي العاجل والتحذيرات الصارمة التي وجهها ترامب لنتنياهو من مغبة جر المنطقة الى حرب شاملة تطيح بفرص التسوية، لتبدأ معها ملامح اكبر مأزق سياسي لترامب منذ عودته للبيت الابيض، فالرئيس الامريكي المحكوم بحسابات داخلية حساسة وانتخابات نصفية مرتقبة، ومقيد بتنظيم بطولة كأس العالم على ارضه التي تمنعه من التورط في صور دعاية حربية مباشرة، يسابق الزمن للوصول الى مسودة اتفاق نهائي مع الايرانيين، ويبدو ان ايران التي ادركت هذا القيد الامريكي تحركت عسكريا وهي تعلم ان واشنطن لن تغامر بدخول مواجهة شاملة وستفضل انجاز الصفقة التاريخية، مما يترك نتنياهو معزولا في خياراته التصعيدية.
‎وتكاملت هذه التسريبات الدبلوماسية مع ما نقلته شبكة فوكس نيوز الامريكية مباشرة من تصريحات علنية لترامبك بدت كأنها كبح جماح لقطار الحرب وتدشين لتهدئة قسرية، حيث وجه فيها رسالة حاسمة للايرانيين قائلا ان قيامهم باطلاق الصواريخ كان كافيا، ومؤكدا انه سيتصل بنتنياهو ليطلب منه عدم التمادي في الرد لكون اسرائيل قد ردت بما فيه الكفاية، وهو ما يفسر الغضب الامريكي الدفين الذي تُرجم بتقرير البنتاغون حول رفع مستوى التهديد من التجسس الاسرائيلي على امريكا الى مستوى حرج بفعل ملاحقة الموساد للمفاوضات الامريكية الايرانية، لتصبح المعادلة حاليا صفرية بامتياز مع دخول مصالح اسرائيل في صدام مباشر مع اندفاعة ترامب نحو الصفقة، في سيناريو مفتوح سيكشف للايام المقبلة هوية الخيار النهائي، فاما ان يتمادى نتنياهو ويختار الحرب الكبرى فتنفجر المنطقة ويحارب بمفرده ليدمر مشروع ترامب السياسي في مقتل نزولا عند رغبة وزرائه المتطرفين مثل بن غفير، او يذعن للارادة الامريكية ويسير في ركاب التسوية الكبرى ليكون ذلك بمثابة مسمار النعش الاخير في مستقبله السياسي وينتهي الى الابد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى