سياسةمحليات لبنانية

المقاومة مشروع ثقافي تغييري ضد الظلم والإستبداد والإحتلال… فحذار حصره بفائض القوة!

 

أعتذر عن الإطالة، فأنا لست من هواة المقالات الطويلة، لكن للضرورة أحكام.
بعد عمر طويل وبعيد من الممارسة الشخصية الخجولة، خطر ببالي أن أكتشف الآن المستند الفكري لفعل المقاومة، أي مقاومة، فتصفحت على عجالة عدة كتب من تجارب مختلفة لمقاومات مختلفة في أزمنة وأمكنة مختلفة، بما فيها تجربتنا اللبنانية بشقيها العلماني والإسلامي، وتوصلت إلى ما توصل كثر غيري قبلي وقالوه:
"أن المقاومة هي أحد أنبل الأفكار والأقانيم الإنسانية على مر التاريخ، إن لم تكن أنبلها، فهي في مفهومها العام ردة فعل مجتمعية شاملة أو حزبية بأشكال متعددة تبدأ بالرفض والعصيان ولا تنتهي عند العمل المسلح، متسلحة بالوعي، ضد الظلم على أشكاله وفي المجمل ضد منظومة هدر الحقوق البسيطة التي قد يمثلها محتلٌّ أجنبي أو نظام حكمٍ مستبد أو واقع إجتماعي مختل يفتقر للعدالة ويسود فيه التمييز على أسسٍ طبقية أو ثقافية أو عرقية أو دينية أو جهوية أو غيرها. وهي من الحقوق المشروعة التي تُقِرُّها المواثيق الدولية والدساتير الديموقراطية والأعراف الإنسانية، وليس في هذه جميعاً ما يصادر أو يضعف الحق الطبيعي للأفراد والجماعات في الدفاع عن أنفسهم والمطالبة بحقوقهم في التحرر والحرية والسلام والعدالة الإجتماعية وكل شروط الحياة الكريمة. ورغم إرتباط مفهموم المقاومة تاريخياً بمواجهة الإحتلال الأجنبي، وبخاصة من خلال العمل المسلح، أو مواجهة النظم  والسلطات المستبدة من خلال الحراك الجماهيري السلمي على شكل تظاهرات، إضراب، عصيان مدني، إعتصامات وغيره من أشكال التعبير، لكن يبقى في معناهُ الأشمل ينطوي على تجلِّيات إنسانية لا حصر لها تتمثل في الدفاع عن كل ما هو إنساني نبيل وجميل، وقد يختصر مفهوم المقاومة بشكل سريع وعميق في "الإنحياز للعقلانية وللمناقبية الأخلاقية ضد نقائضهما" وعليه يصبح الصدق مع الذات ومع الآخر، الذي قد يكون أيضاً الجمهور المباشر لهذه القوة أو تلك التي تتدعي المقاومة، في سلم أولويات وفي ذروة سنام المقاومة، ويصبح الدفاع عن ثقافة الحياة والسلام والعدالة الإجتماعية في مواجهة ثقافة الحرب والموت والنبذ والإقصاء وسيطرة قوة النهب والتسلط، إحد أكثر تجليات المقاومة في مسار ممارستها اليومية، كما يصبح إشاعة الأمل لتبديد غيوم اليأس إحد أكثر المهام اليومية من أجل بعث الأمل في التغيير، وعليه يصبح الإحساس بالآخرين، وليس فقط إحصاء عدد الصواريخ البعيدة المدى، ومناصرة المتضررين والملهوفين ورفض التصالح مع الظلم والفساد وعصبات النهب مهما استطالت مخالبها، على شاكلة التي عندنا، من الأهداف السامية للمقاومة.
المقاومة ليست محض أحاديث إنفعالية، تعبوية، مُنَمّقة يتجمّل بها السياسيون أو القادة، أو إصبع يُرفع لتهديد القريب قبل البعيد، وهي ليست غاية في ذاتها، كما يحلو لجمهور المقاومة العريض أن يراها، ولكنها وسيلة ينهض بها الإنسان لمواجهة التحديات التي تواجهه.
وإذا صحّ وصف الإنسان بأنه كائنٌ مقاوم بطبيعته وأنّ التاريخ الإنساني جَدَلٌ مستمر بين تحديات الواقع والاستجابة لها، وفقاً لما يراهُ ابن خلدون في كتاباته، فإنّه يصحُّ القول أنّ أهم شرطٍ للاستجابة للتحديات في مختلف حقول الواقع هو شرط الوعي الذي من دونه تذهب جهود البحث عن التغيير سُدى. وليس من نافل القول أو إدعائه إنّ الوعي هو كلمة السر لشحذ إرادة المقاومة واستدعائها لكسر الطابو الموجود في كل ما حولنا وهد منظومته الصدئة وفتح أبواب التغيير. فالوعي لخطر الإحتلال وظلمه كما وعي ظلم الطبقة الحاكمة الفاسدة وإدراك أسباب وأدوات وجودهم هو الشرط اللازم لاستنهاض الهمم من أجل التغيير ونشر ثقافة المقاومة.
أنّ مشروع مقاومة الإحتلال والإستبداد والفساد، التي يُجسِّدها نظام سلطة رأس المال الداعرة في حالتنا اللبنانية، يعاني قصوراً في خطابه وبنيته وفعاليته لإصراره على حشر مفهوم المقاومة بمفهوم فائض القوة والتكبر والإستعلاء على الأخرين من أبناء الوطن الذين لديهم الهواجس والمفاهيم ذاتها،  وحصر المقاومة في الحضور العَضَلي وسط الجماهير وإستعمال هذا المفهوم العضلي لمقاربة مختلف القضايا.
مفهوم المقاومة هو أوسع من فوهة بندقية وأطول من مدى صاروخ وأكثر صدى من لغة الوعيد والتهديد.
أن مفهوم المقاومة يتسع، ويجب أن يتسع، لثقافة أشمل وأوسع تُغَذِّي جدلية وجود الأوطان والنظم وتفضح المسكوت عنه، تزرع الأمل وتستنهض خلايا المناعة في الجسد الوطني للتخلص من الإحتلال الأجنبي كما الإستبداد والفساد المستشريان في جسد الوطن، وأولى الخطوات تبدأ بالتبرأ من العصابة الداعرة الفاسقة الفاسدة التي تحكمنا الآن والإنحياز التام لأنين الجوع الذي بدأ يرتفع من البطون الخاوية"…
فهل يدرك حزب الله وأمينه العام هذا الأمر قبل فوات الآوان وقبل إنفكاك عقد كثر، وقد بدأوا فعلاً بالإنفكاك بسبب الإداء الملتبس والمشبوه للحزب البعيد عن علة وجوده والأقرب إلى التحول لشركة أمنية خاصة لحماية العصابة الحاكمة، ممن كانت المقاومة بمكان رعاف القلب لهم؟
*نص ينشر بالتزامن مع نشره على الصفحة الإلكترونية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى