المثقف والسياسي في تاريخنا المعاصر(عدنان عويّد)

بقلم د. عدنان عويّد – الحوارنيوز
المثقف التنويري العقلاني برأيي, هو المثقف الذي تجاوز في فهمه وممارسته البنى الثقافية المأزومة تاريخيّا, إن كانت أيديولوجية, أو شعاراتيّة سطحيّة بعيدة عن الواقع, أو ثقافة تمسكت بالماضي واعتبرته هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما هو تال, وبالتالي جاء عندها كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
والمثقف التنويري العقلاني أيضاً: هو من يؤمن بالحركة والتطور والتبدل والنسبية, وهو من يؤمن بحريّة الرأي والمشاركة, وتحقيق العدالة والمساوة بين مكونات المجتمع, وهو من يومن بالدولة المدنيّة والمواطنة واحترام المرأة.
يقول الكاتب السوري النهضوي شبلي شميل:
(ومن الأسباب القاضية على نبوغ الكتاب في المشرق هو وقوف حكوماتهم ضدهم, فقد تعودت الحكومة أن تنظر إلى هذه الطائفة كأنها من الآفات التي ينبغي مقاومتها أكثر من تنشيطها, وذلك لعدم معرفة الكثير من الحكام مالها من الأهمية وما لكبارها من النفع في رفع شأن هذه الأمة, إذ لا يعرف قدر الشيء إلا أهله, فمهما أجاد الكتاب في حكومة هذا شأنها, ومهما أظهروا الاستعداد لأن يكونوا من النوابغ فلا يصادفون إلا إعراضاً منها يحملهم على أحد أمور ثلاث هي: إما كسر القلم, وإما تحيده ضدها, وإما إذلاله لها. وأبلغ من ذلك هو الإساءة إلى تخريب ذمم الكتاب وشرائهم بالمال ليكتبوا غير ما يفكروا به, أو يصمتوا عما يعتقدون, حتى ينحط مقام الكتابة بهم والنتيجة من ذلك في كلا الأمرين قتل الأفكار, وإفساد الأخلاق, وموت الكتاب الذين يُفتخر بهم, وما وجدت الحكومات لمثل هذا.).(1).
نقول: إن الموقف المعادي للمثقف التنويري العقلاني (القدري) في العصور الوسطى من الخلافة الإسلامية الذي حارب ابن رشد وابن خلدون والكندي وغيرهم من الفلاسفة, ظل سائدا حتى تاريخ دولنا الحديثة والمعاصرة. ففي القرن التاسع عشر ظهر ” الطهطاوي” الذي استطاع بعلمه ومعارفه العقلانيّة التنويريّة التي تأثر بها عند دراسته في فرنسا (أفكار الثورة الفرنسية), تطوير التعليم في مصر حتى سبقت مصر الدولة العثمانيّة نفسها بكل ولاياتها آنذاك عدا تونس في مرحلة (خير الدين التونسي), ومع ذلك حاربه ولي النعم “الخديوي العباس” ونفاه إلى السودان جزاءاً له على تعليم الناس والوقوف بوجه مشايخ السلفية الذين كانوا يُعلمون أبناء الشعب المصري كيف يقطعون أعضاء أجساد أبنائهم أو سمل عيونهم كي يمنعوهم من الذهاب إلى المداس التي افتتحها “الطهطاوي” برغبة “محمد على باشا” لأنها برأيهم كفر وبدعة.!. وهذا ما جرى مع الشيخ المتنور “علي عبد الرازق” في النصف الأول من القرن العشرين, عندما أصدر كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وقال بأن الإسلام ليس دين سياسة, ولم يحدد النص القرآني ولا الحديث طبيعتها ونظامها أو آليّة عملها, ودعا إلى فصل الدين عن الدولة. فغضب عليه أصحاب القرار السياسي آنذاك وعلى رأسهم “الملك فاروق”, الذي كان يطمح بالخلافة الإسلاميّة بعد أن أعلن “كمال أتاتورك” إنهاءها وإعلان تركيا دولة علمانيّة, فنال “علي عبد الرازق” جزاءه على فعلته هذه, حيث فصل من عمله وحورب بلقمة عيشه وقدم للمحاكمة بجرم التكفير, فاضطر أن يتراجع عن رأيه.
مع بداية القرن العشرين ظهرت أحزاب سياسية, راحت تحارب ليس المثقفين التنويرين العقلانيين فحسب, بل محاربة حتى التعامل مع هذا الفكر العقلاني التنويري ذاته والحد من نشاطه بهذا الشكل أو ذاك, وخاصة عند من استلم السلطة من هذه الأحزاب,. فهذا “مشيل عفلق” مؤسس حزب البعث يقف ضد المعرفة ذاتها بقوله: (إن أصدق مرآة للنفس الإنسانيّة هي الأعمال… ولا أكتمك أنني كلما فكرت بأن أكرس نفسي للكتابة أخجل في داخلي وأحتقر نفسي نوعاً ما, لأن الكتابة ليست غايتي العميقة, بل أنظر إليها كأنها شاهد على عجزي عن العمل ودليل نقصي).(2). بهذا الموقف من الفكر, بالنسبة لقائد حزب قومي استلم السلطة في دولتين عربيتين كبيريتين (سورية والعراق), كيف ستكون حال البنية الفكريّة والتنظيمية لهذا الحزب.؟!, كون الكتابة التي يمقتها “عفلق” لا يمكن أن تقوم بدون فكر, وهو ذاته الذي لم يقرأ كتاباً واحداً على حد قوله منذ عام (1956). فمع غياب الفكر, سيحل بالضرورة الكسل العقلي, وستغيب الممارسة السليمة أو العقلانيّة حتماً, لأن هذه الممارسة ستفتقد إلى المنهج الفكري الذي يحدد كيفيّة الوصول إلى الأهداف المراد تحقيقها. ومع غياب المنهج الفكري ستسود الذاتية والارتجال والثرثرة الثورية. وهذا ما حدث في حزب البعث, حيث ظل المثقف فيه مهمشاً ومحارباً داخل الحزب وخارجه, لذلك لا نستغرب أن نجد “صدام حسين” الذي حكم العراق أربعين عاماً بالحديد والنار باسم (بعض المنطلقات النظرية) التي وضعت على الرف منذ المؤتمر القومي السادس الذي أقرها فيه عام 1966, عندما قُبض عليه وقدم للمحاكمة كان يحمل بيده القرآن وليس المنطلقات النظريّة التي حكم العراق باسمها ثلاثين عاماً, وأن نائبه “عزت الدوري” شكل بعد سقوط البعث في العراق فصائل (النقشبندية), التي تحول معظمها إلى تنظيم (داعش).
وهذا الموقف من الفكر ومحاربته أو التقليل من أهميته لدى الأحزاب القوميّة العربيّة, نجده عند “عبد الناصر” الذي يقول في الميثاق: (نحن لا ننظر إلى الواقع في النظريات, وإنما ننظر إلى النظريات في الواقع), لذلك هو لم يختلف في شيء عن البعث سوى أنه وضع الحرية أول أهداف الحزب, في الوقت الذي وضعها البعث الهدف الثاني بعد الوحدة. وعندما توفي “عبد الناصر” انهارت هذه الأهداف ومشروعها القومي وتحول اسم مصر من (الجمهورية العربية المتحدة) إلى (جمهورية مصر العربية), وجاءت كلمة العربية هنا على استحياء, بالرغم من أن السادات باع العرب والعروبة, وراح ينسق مع التيار الديني وإسرائيل معاً عند استلامه السلطة. وهذا الانهيار نجده عند بعث العراق, فمع إعدام صدام انهار البعث في العراق, وكذا الحال في ليبيا, فمع سقوط القذافي انهارت نظريته العالميّة الثالثة, التي هي بالأساس ولدت ميته, وكذلك البعث في سوريا, فمع هروب بشار حل الحزب نفسه.
5- السياسي المحترف, والمثقف المحترف:
في نهاية هذا البحث نود الإشارة هنا إلى العلاقة بين السياسي المحترف, والمثقف المحترف, حيث لا علاقة إيجابية بين الاثنين. فالسياسي المحترف ظل يتعامل بنديّة مع المثقف المحترف, ويسعى بشكل دؤوب لإقصائه بما يمتلكه هذا السياسي من قدرات سلطوية داخل الحزب وخارجه. ونتيجة لحصار المثقف التنويري العقلاني, غالباً ما يضطر هذا المثقف إما إلى الجلوس في بيته كي يموت بهمه كما يقول الحجاج, أو يشد الرحال للهجرة أو الهروب من وطنه إلى وطن أخر غير وطنه ليقع بالضرورة في فخ سلطة أخرى أكثر سوءاً من السلطة التي هرب منها, حيث ستقوم سلطة البلد المهاجر إليه هنا باستثماره للتطبيل والتزمير لها وخاصة إذا هاجر إلى بلد عربي, أو العمل على محاربة بلده ووطنه لمصلحتها, وما أكثر هذه الحالات اليوم بسبب ما سمي بثورات الربيع العربي, فمعظم المثقفين التنويريين الذين هربوا من بلادهم إلى بلاد البترودولار, تحت ظروف اللجوء السياسي, اضطر بعضهم أن يكون أداة بيد هذه الأنظمة.
إن هؤلاء الهاربين من المثقفين, اعتقدوا بانهم بهروبهم سيفتح لهم المجال واسعاً أيضاً كي يتحولوا إلى فلاسفة ومنظري ثورات, بيد أن ذلك لم يحدث, فكان هروبهم في حالته, كحال المستجير من الرمضاء بالنار.
نعم … إنها السلطة الاستبداديّة الشموليّة وسيفها وأيديولوجيتها, ستظل المعوق الرئيس للمعرفة العقلانيّة وحواملها الاجتماعيّة.
الحكومات لمثل هذا.).
ملاك القول :
مسكين هذا المثقف التنويري, فإن سار على طريق (اقرأ باسم ربك…) أي المعرفة, لاقى من السلطة الحاكمة المستبدة القهر والظلم والمعاناة جزاء قراءته وعلمه ومعرفته, وإن لم يقرأ تحول إلى إنسان جاهل شأنه شأن أي مواطن آخر تريده هذه السلطة من سقط المتاع.
*كاتب وباحث من سورية
d.owaid333d@gmail.com
المراجع
1- النهج المصدر السابق- ص 157.
2- النهج- مركز الأبحاث والدراسات الاشتراكية في العالم العربي- دمشق – العدد 4- 1995- ص 75.



