سياسةمحليات لبنانية

اللبنانيون… بين لايبنيتْز وسعد زغلول

حيّان سليم حيدر-خاص الحوار نيوز
 
                                                                

      (ملحق، بعد 7 سنوات، لمقالة: لبنان… في عين الفوّهة !..)


منذ زمن ويراودني السؤال: ما أوجه الشبه بين لبنان والكازينو؟  ودارت الأيام ودُرتُ أنا في حيرتي، وتكرّر السؤال بإصرار الى ان إتّضحت، في النهاية، الصورة كاملةً.  ومن غور المقارنة ظهر ما يأتي.
في الكازينو، تتنوّع طاولات القمار، ومعها الأجواء والأشخاص والأدوات والقواعد والأساليب وما إليها من الأمور التي تتحكم بما يُسمّى "اللعبة"، بغضّ النظر عن نوع الطاولة وشكلها ولوازمها ولونها وأصول لعبتها.  فهناك المُشَغِّلون المباشرون للألعاب والمشرفون عليها وعليهم وأدوات اللعب والمراقبون.  ومعهم اللاعبون، وحشود ممّن هم في خدمة هؤلاء، ووفود من جمهور يتفرّج ويتابع ويتسلى ويتأمّل ويغامر ويقامر، يراقب ويترقّب و…  وهناك عِدّة "الشغل"، أو الغشّ (بعد التنبيه الى تشابه الأحرف).  وفي القاعات، تنتظم الطاولات وموادها ومنحنياتها وإمكانية التحكّم بمسار اللعبة فيها، والورق وإمكانيّة "تعليمه" والكرة وإمكانية "توزينها" إلخ… الى مُشَغِّل اللعبة وإمكانية تحكّمه بمصيرها والمشرف عليه من أشخاص وكاميرات وإمكانية "تحريف الشغل والمُشَغِّل معًا وبالتالي النتائج المرجوّة".  وهناك "الشعب" اللاعب/الملعوب به دائمًا، الخاسر، في النهاية، أبدًا.
والكازينو درجات، كلما حلّقت نجومه، كلما حلّ بمظهر أبهى وذاع صيته و"سوطه" معًا.
وبالمقارنة: هناك لبنان، هذا البلد الصغير، "لؤلؤة" متّكِئة على شرق المتوسّط !
وكما في الكازينو، أيضًا في لبنان هناك "العدّة" الكاملة للنَصْب، من أُبَّهة وبهرجة مهرجانات صاخبة، الى التَمَاهي مع أبهر المشاهير، "صعودًا" الى التصنيف في المصاف العالمية للفراهة "المُبْدِعة".  وكما في الكازينو، أيضًا في لبنان هناك أموال حقيقية وأموال وهمية ورهانات من كلّ حدب ووعود في كلّ صوب وبالنهاية في الإتجاهات كافّة وفي سبيل كلّ الإحتمالات ولكن، دائمًا، بهدف واحد: الكسب (الليبيرالي) السهل والسريع، مهما كان الثمن كبيرًا… ومجهولًا.
على أن في لبنان قواعد (صيغة، ميثاق، دستور وقوانين) ومسؤوليات (مؤسّسات دستورية وقضائية وعسكرية وإدارية) ومسؤولون على أنواعهم وأهوائهم وفي جميع المجالات والإتّجاهات.  ولبنان عرف منذ نشأته حياة الكازينو.  فكما تمرّ في الكازينو من طاولة "الفارس الأسود" الى طاولة "سكة الحديد" فإلى طاولة "المهماز" لتنتهي بفرجة المحلّة طاولة على شاكلة "الدوارة"(1)، تمرّ في لبنان/الكازينو أيضًا على حكومات/طاولات-لعب تحت مسمّيات لا تقلّ عن منافساتها "إبداعًا":  من حكومة "الإعمار من دون أي إعتبار" التي أودت بالبلاد الى باريس واحد، الى حكومة "ما كان بالإمكان إلّا كيف ما كان" التي أخذت العباد الى باريس إثنين، الى حكومة "هات إِيدَك و… اهْرُبْ" التي تسبّبت بباريس ثلاثة، فإلى حكومة "الفاسد سيّد نفسه" التي لم يكتمل نَصْبها، عفوًا نصابها (بالشدّة أو بلا على الصاد)، والتي أَخْضَعَت باريس أربعة لعملية تجميل من نوع (Image-building) بحيث أصبحت تُعْرَف ب"سيدر" (سَيَدُرْ من دَرّ يدُرّ مدرارًا).
ومهما تغيّرت وسائل اللعب والقواعد والأشخاص ومهاراتهم، فالنتيجة النهائية واحدة: خسارة اللاعب/الشعب في الحالتين: في الكازينو وفي لبنان، المرهون/المُرْتَهَن.  وكما يترقّب المقامر الربح من جوف كلّ خسارة، يشيخ اللبناني بانتظار"غودو" (Godot) المؤسّسات المالية الدولية (على قول الصحافي إبراهيم الأمين)، أو "حتى يَلِجَ الجمل الخياط" (سورة الأعراف 40).  هَرِمْنا … على قول الصابر العربي الشهير.
وفجأةً… يتحوّل اللبناني من واثق بالنفس، مُتَباهٍ، مُتَعالٍ، مُتَشاوِفٍ مُتَ…. على "إنستا"، الى طالب السترة على "إنسى".
وخلال اللعب على "الدوّارة"-الدوّامة ، محبوبة الجماهير، يتناوب الأسْوَدْ والأحمر الى نهاية المُصَفِّرْ (للأرزاق) بلونه الأخضر، وفي بعض الطاولات هناك "الأخضران" وهي خانة أضيفت لتبتلع الأخضر واليابس من الحظوظ.  وكما يجول الجمهور حالِمًا أبدًا في إمكانية مواعدة "ليلة الحظ"، يعيش اللبنانيون من دَيْن كبير الى دَيْن أكبر، حالمين أبدًا بإمكانية إمحاء الأخضر (العام) واليابس (الخاص) من الديون.
وعلى "الدوّارة"  يُحَفِّز المُشَغِّل (Croupier) الجموع بمناداتهم: تعالوا، تعالوا، إلعبوا ألعابكم، أي، بلغة الأجداد: (Faites vos jeux)، ويكرّرها، ويعيدها من دون ملل تمامًا كما في "دوّارة"-دُوّيْخَة لبنان مؤتمرات الدعم (المسمّاة تحبّبًا بأصدقاء لبنان، الذين بات ينطبق عليهم المثل الإنكليزي القائل: "مع هكذا أصدقاء، فأنت لست بحاجة الى أعداء") يصرخون تعالوا، تعالوا الى عاصمة "الحَنونة"، تعالوا (بحِلّتكم الوزارية الثلاثينية وبطائراتهم الخاصة وحاشياتهم ..) تعالوا والعبوا بمصير بلادكم هنا.
… إلى أن يصرخ المُشَغِّل فجأةً: "توقّفوا… لا شىء يصلح بعد الآن" أي بلغة  "جو سوي"  Je suis :                (Rien ne va plus)  وتتوقّف الأيادي والقلوب معًا، وتدور الأنظار مع دوران الكرة البيضاء الصغيرة الملعونة حتى تخطف في آخر لولبية لها الأموال مع الأنفاس.  تمامًا كما في لعبة الإستدانة و"فوائدها" (لا أعلم من ذا العبقري الذي سمّاها فوائد وكانت كلمة مَضار أصدق في الوصف) … ومن ثمّ… الصفر، أو الصفران، مثل الثقب الأسود الكوني، يبتلع الكلّ والجميع، الأموال والأحلام.
عِلمًا أنّ الإنذارات الموجّهة، الكثيرة والمتكرّرة والمصيبة، والتي لم يُصْغَ لها منذ 25 عامًا أو أكثر،  كانت تُواجَه بأمواج من التطمينات تصبّ على الشعب "كجُلمود صخر حطّه الوَيْلُ من عَلِ" ، ولا يحطّ ذاك إلّا برفقة الثبور وعظام الأمور، وبفيضانات من إستنكار ل"حملات الإحباط وجلد الذات"، على قولهم، وويلٌ لمن يتجاسر على مقاربة الموضوع.  فأصاب اللبناني، كلّ لبناني، ما أصاب الضفدع السابح، في اختباره، في وعاء الماء "الهانئة" على نار خافتة، ولم يكن الأول أذكى من الأخير ولا أكثر إحساسًا.
فجأةً، ومن دون أيّ إعتبار آخر، وب"مهنية عالية" في لعبة الروليت الروسية (Russian Roulette)، وبعد النجاح في الفحص النافي للجهالة، عبّأ المسؤولون خزانات المسدّس (البَكَرَة) برصاصة بعد أول مؤتمر دعم، أعقبتها رصاصة في كلّ مؤتمر لاحق، بحيث أصبح المسدس مزوّدًا الآن بأربع رصاصات.  ونحن الآن على قاب المبارزة الإنتحارية الأخيرة.  ولأن "نظامنا" إقتضى بأن يكون كلّ صاحب قرار هو "سيّد نفسه"، وفي غياب المعلومات الدقيقة والحقّ الدستوري بالحصول عليها ناهيكم عن وجوب تبادلها فيما بين الجهات المسؤولة (من شروط الشفافية)، فنحن لا نعلم حتى إذا ما كان المسدّس مكوّنًا أصلًا من خمسة أو ستة خزانات رصاص.  فهل نحن بالتالي أمام إحتمال النجاة من الإنتحار المُحَتّم بأرجحية واحد على خمسة محاولات أو بإثنين على ستة ؟ 
لهذه الأسباب، تأكّد لي هاجسي: أن لبنان هو كازينو، بالمعنى الإقتصادي والمالي.
وهكذا، كما يفاجيء المُشَغِّل اللاعبين، فجأةً إنتقل نفس "المسؤول" اللبناني، الفائز سابقًا بجائزة أفضل ناسج لصورة إفتراضية، إنتقل بموقفه من فكر لايبنيتز (Leibnitz) الى حال سعد  زغلول، من حيث قال الأول: "كلّ شيء هو على أفضل حال في أفضل العوالم"  (Tout est pour le mieux dans le meilleur des Mondes      possibles) (وَيْنَك يا فولتير (Voltaire) تناقشه قوله هذا؟)، فجأةً … إنتقل المسؤول الى تَبَنّي قول الثاني: ما فيش فايدة !..
الله يرحمكم ! …  خَرْجْكُم/نّ !
بيروت، في 15 شباط 2020                                                                      حيّان سليم حيدر
                    (كان بودّي تذليل هذه السطور بالقول أنها ليست محاولة للإحباط، بل فرصة للتحفيز! وهل ما زال ينفع ذلك الآن؟)
(1) على التوالي    Roulette, Poker, Chemin de Fer, Black Jack:

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى