العالم العربيسياسة

العراق ومؤامرة التطبيع

 

د . جواد الهنداوي .*
                  
يواجه العراق ما تواجهه المنطقة، فهو مركزها وثقلها، ويتميّز عن أشقائه العرب بإمتلاكه الثروات الطبيعية والثروات البشرية، وكلاهما، للاسف، مُستهدفة وعُرضة  للنهب والسلب والتخريب، بفعل قوى خارجية  وداخلية .
لماذا الحديث الآن عن العراق  والتطبيع مع اسرائيل؟ وهل للعراق مصلحة  سياسية او اقتصادية او اجتماعية او اخلاقية للتطبيع مع  اسرائيل؟ ام إنَّ في الامر ضرورة امريكية واسرائيلية لاستكمال خطوات فرض الهيمنة الاسرائيلية على المنطقة، ولكي يكون أمر اغلب الدول العربية مرهون بإرادة  ومشيئة اسرائيل؟
التطبيع يعني ان تتجرّد الدول المُصابة بجرثومة التطبيع من قدرة المناعة ضّدٌ الإملاءات الاسرائيلية الاستراتيجية، وأنْ تتجرّد، كذلك من قرارها السيادي.اي، ان تصبح الدول المُطبّعة مرتبطة مباشرة بأسرائيل بدلاً من ارتباطها بأمريكا . ايّ ان تراعي الدول المُطّبعة مصلحة اسرائيل في سياستها الخارجية وفي مواقفها الدولية والدبلوماسية .
لم تعُدْ امريكا قادرة على تحمّل الأعباء السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تفرضها المنافسة مع الصين و روسيا  وايران، لذا حان الوقت لتأهيل اسرائيل كي تتحمل وزر إدارة النفوذ والمصالح الامريكية،  ومصالحها في منطقة الشرق الأوسط، وخاصة في الدول العربية.
حان الوقت لكي ترتبط بعض الدول العربية باسرائيل علناً  ومباشرة، بدلاً من ارتباطها بامريكا.
التطبيع العربي الاسرائيلي الأول ( مع مصر والأردن، والسلطة الفلسطينية ) في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، كان بهدف استرجاع اراض محتلة و توقيع سلام وانهاء حالة حرب مع اسرائيل، ولكن في ظل قيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس المحتلة. التطبيع الآن، واصفهُ، بالتطبيع الثاني وهدفهُ دعم اسرائيل و المساهمة في هيمنتها على المنطقة و خلق محور اسرائيلي خليجي ضّدْ ايران! وهذا ما تصّرح به علناً اسرائيل وبعض الدول المطبّعة. فهل للعراق مصلحة في الانخراط  والمساهمة في مؤامرة التطبيع  والدخول لا سمح الله الى حظيرتهِ؟
وهل أهداف التطبيع هي قيام الدولة الفلسطينية وانصاف الشعب الفلسطيني وأمن واستقرار المنطقة واحترام سيادة الدول العربية، ام تصفية القضية الفلسطينية وتشريد الفلسطينيين من جديد وتوزيعهم على الأردن والعراق والسودان ، وكذلك خلق محاور عدائية في المنطقة ؟
تسعى امريكا ويسعى كذلك حلفاؤها في المنطقة الى ان ينضم العراق الى قافلة التطبيع ، ولأجل ذلك ستستمر امريكا في تبنيها سياسة الجزرة والعصا ، سياسة الوعود والاغراءات و المساومة والابتزاز و تُفعّل و توظّف أدواتها كالعملاء و داعش  والتهديد والعقوبات ،و كذلك الدولار و القروض وصندوق النقد الدولي والطاقة الكهربائية و حتى ميناء الفاو الكبير . قرار الكويت ( إنْ صح الخبر ) بايقاف العمل بمشروع ميناء المبارك الكبير ، هو إشارة للعراق بما سيكون عليه الحال عندما يتداول فقط موضوع التطبيع مع اسرائيل ! و إلاّ لماذا اليوم ( شهور التطبيع ) يكتشف الأخوة في الكويت بأن ليس للمشروع مِنْ جدوى اقتصادية !
هل الدستور الاتحادي العراقي يسمح بالتطبيع مع اسرائيل ؟
لم يردْ في الدستور ايّ ذكر لفلسطين وعن اسرائيل، ونصّت المادة الثامنة من الدستور على مبدأ حسن الجوار مع  " الدول الاخرى " و ان يقيم علاقاته معها ( ايّ مع " الدول الاخرى " على اساس المصالح المشتركة …   والعراق لا يعترف بالكيان المحتل ( اسرائيل ) على انها دولة ، وهو قانونياً في حالة حرب مع الكيان المحتل .
قرار وضع العراق في قافلة التطبيع يعود الى الشعب العراقي ، ممُثلا بمجلس النواب ، ولا أظّنُ انَّ مجلس النواب الحالي و المقبل ،بأغلبيته ، يجرأ على إصدار  قانون او قرار ينهي حالة العداء مع الكيان المحتل ، في ظل استمرار اسرائيل احتلالها للأراضي المحتلة والجولان ، و مزارع شبعا في لبنان ، ورفضها  احترام  حقوق الشعب الفلسطيني و الشرعية الدولية .
    ما يُثير التوقف و الاستفهام هو صمتْ (حسب علمي ومتابعتي) القوى السياسية في العراق ، وصمتْ الحكومة عما هو متداول ،في الإعلام و في مواقع التواصل الاجتماعي ، مِنْ معلومات عن جهود و إشارات وجس نبض عن التطبيع بين العراق و اسرائيل .
من حق الرأي العام العراقي أن يعرف ماهو موقف السلطات الدستورية ، و خاصة الحكومة العراقية و مجلس النواب ازاء ما يُقال و يشاع بخصوص التطبيع، و في مصلحة الحكومة ان تُبيّن موقفها وتبدّد هذه الإشاعات او تعلن وجهة نظرها .
استحضر ، بهذا الخصوص، مواقف بعض الدول العربية كالجزائر ، والتي أعلنت على لسان رئيس الجمهورية بان الجزائر ملتزمة بثوابتها الوطنية والأخلاقية تجاه حقوق الشعب الفلسطيني وتأكيد إرادة الشعب الجزائري و موقفه التاريخي تجاه اسرائيل ،كيانا محتلا لا يمكن الاعتراف به والتطبيع معه .
كذلك كان موقف تونس والذي عبّر عنه رئيس الجمهورية.

*سفير عراقي سابق ورئيس المركز العربي الأوروبي للسياسات وتعزيز القدرات-بروكسل

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى