سياسةمحليات لبنانية

الطلاب في الخارج بين مطرقة الحاكم وسندان المصارف وعجز الحكومة

 

كتب محمد هاني شقير: 

تلازَم دخول الأزمة الاقتصادية في أنفاق داكنة الظلمة، مع دهاءٍ سلطويّ مصرفيّ مريب، في التعاطي مع أصحاب المصالح، والمهن، وأصحاب الحقوق على اختلاف أنواعها. فلجأوا إلى تفسيخ هؤلاء والتعامل معهم بالقطعة، وجعلهم بلا حول ولا قوة.
وعلى الرغم من ذلك فإنّ المتضررين لم ينتظموا في صفوف موحدةٍ، حتى أن بعضهم لم يدخل في الانتفاضة التي جاءت لترفع الغبن عنهم كما عن جميع اللبنانيين!
واحدة من أدق وأصعب الحالات هي تلك المتمثلة بكيفية استمرار الطلاب اللبنانيين الذين يتابعون تحصيل علومهم في الخارج، وأعداد هؤلاء  كبيرة، موزعين على جامعات أوروبا الغربية والشرقية وأميركا، وتتراوح قيمة مصاريفهم، بين التسجيل في الجامعة، وثمن كراء منزل،  والمأكل والمشرب، إضافة إلى المستلزمات التعليمية؛ ما بين 400$ و  500$ في دول أوروبا الشرقية سابقًا و1000$ و 1200$ في دول أوروبا الغربية، ومرد التفاوُت في الأرقام يعود الى سببين :
_ الأول: تفاوت الأسعار بين المدن الكبرى والمدن الصغرى.
_ الثاني: تفاوت المصاريف بين طالب وآخر.
لقد كان اللبنانيون وبخاصة العائلات ما دون الميسورة يكافحون لتأمين المبالغ المذكورة، ويساعدهم بذلك، نسبيًا، سعر صرف الدولار الذي كان 1500 ل. ل. للدولار الواحد، فكانت هذه العائلات تلجأ الى طلب قروض من المصارف وتكرر العملية بشكل متواصل حتى يُنهي ابنهم أو ابنتهم تخصصه، وهو نفسه، كان يتكفل بتسديد تلك الديون عندما يبدأ بممارسة مهنته في لبنان.
لقد دخل هؤلاء اليوم، الأهل والطلاب، مع الارتفاع الكبير لسعر صرف الدولار، في مرحلة قاسية جدًا جعلتهم في موقفٍ لا يحسدون عليه؛ فالأهل يعيشون قلقًا مخيفًا على مستقبل أبنائهم، واحتمال تسربهم من الجامعات وعدم تحقيق أحلامهم التي راودتهم لسنوات طوال! وتخلف مئات الطلاب عن السفر الى الخارج فخسروا التسجيل في الجامعات، وبالتالي ذهبت سنوات دراستهم سدىً، وهم الذين قطعوا مسافات طويلة في الدراسة وبينهم من بقي له سنة ويتخرج، وبدأوا يبحثون عن سبل أخرى لمتابعة حياتهم بينها تأشيرة هجرة وفرصة عمل برغم أن الشباب يجلسون على قارعة الطرق بلا عمل ولا أمل بتحققه، جراء الجراح الكثيرة التي اتخن السياسيون جسد الوطن بها.
لذلك، فقد بدأت عائلات كثيرة ببَيع ممتلكاتها ولا سيما العقارية؛ فمن لديه شقةً سكنية عرضها بأبخس ثمن، ومن لديه قطعة أرض فعل ذلك أيضًا، فضلاً عن أن هناك عائلات وبخاصة في القرى، يشتغل جميع أبنائها، في الزراعة والفِعالة وغيرها، ليتمكنوا من نقد ابنهم أو ابنتهم، ما يكفيهم لمواصلة المشوار.
لقد خاض الطلاب وأوليائهم واحدة من أصعب المعارك الديمقراطية، وتمكنوا في خلالها من جعل مجلس النواب يقرّ ما أصبح يعرف بـ "قانون الدولار الطالبي"، والذي قضى بالسماح لأولياء الطلاب بتحويل مبلغ عشرة آلاف دولار سنويًا لأبنائهم وفق سعر الصرف الرسمي. وهذا ما جعلهم يستبشرون خيرًا، واعتبروه خطوة جيدة تخفف عنهم حجم الكارثة التي حلّت بهم. ولكن حتى يومنا هذا يوارب حاكم مصرف لبنان، وتماطل المصارف في تنفيذه، ويصموا آذانهم عن سماع صراخ الأهل ووجع أبنائهم. وما زاد الطين بلة ما قاله رياض سلامة أنه  “بإمكان هؤلاء عند أي مخالفة رفع الشكوى على المصرف عند لجنة الرقابة على المصارف، أو على الصراف عند مصرف لبنان، فيلزموهم بالدفع”. محاولاً في هذا التصريح تحييد نفسه واضعًا المشكلة بين الطلاب والمصارف! وهو الذي أهدر المليارات لدعمهم على حساب خزبنة الدولة!
ويواصل الأهالي اعتصاماتهم أمام مصرف لبنان، مطالبين بتنفيذ القانون المذكور، حيث ناشد باسمهم أحمد حسن، الرؤساء والوزراء والحاكم "الضغط على المصارف من أجل تحويل مبلغ 10 آلاف دولار على سعر الصرف 1515.
من حيث المبدأ يُعطي الدستور اللبناني والقوانين المصرفية الحق للأهل في أن يتصرفوا بحساباتهم كما يشاؤون، وفي الأقل منه بحسب بنود عقد فتح الحساب المصرفي والتي غالباً تعطيهم الحق في التحويل المصرفي داخل لبنان وخارجه. لذلك يرى الناشط في ثورة 17 تشرين المحامي حسن بزي، أن قانون الدولار الطالبي منح الأهل حقاً اضافياً وهو واجب التطبيق، وعدم تطبيقه يتيح للأهل التقدم بإحدى دعوييْن: إمّا دعوى أمام قاضي الأمور المستعجلة لإلزام المصارف بإجراء التحويل وفقاً لمندرجات القانون رقم 193/2020، أو تقديم شكوى أمام النيابة العامة المالية، وفي هذه الحالة يجري استدعاء رئيس مجلس الإدارة ومدير عام المصرف وبالتالي إلزامهما بهذا الموجب القانوني.
وأكد بزي أن قانون الدولار الطالبي ملزم للمصارف، وكان من دونه يمكن إلزامهم بذلك، ولكن بوجوده أصبح يحمل صفة تأكيد المؤكد. ونصح بزي أهالي الطلاب بمراجعة القضاء بآلاف الدعاوى ضد المصارف أمام قضاء الأمور المستعجلة لإلزامها بالتحويل، وأمام النيابة العامة بجرم عدم تطبيق قانون مالي نافذ.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى