سياسةمحليات لبنانية

السيد والفاخوري وأصدقاء المقاومة

     
 

علاء المولى
فكرتان خطيرتان وردتا في الكلام الأخير للسيد حسن نصرالله ، قرر الإفصاح عنهما لأول مرة الى العلن. ضيق الصدر من بعض الاصدقاء الذين يشككون أو يهينون،ورفض التمييز بينه وبين بقية الحزب .

وتلت كلمته المخصصة لتأكيد عدم معرفة الحزب مسبقا بقرار تبرئة العميل عامر الفاخوري ،حملة "مضبوطة" تضمنت رسائل عدة. من بين الرسائل دعوة لمن لا يثق بقيادة الحزب الى الخروج من دائرة الحلفاء، في تأكيد لضيق الصدر في لحظة ضيق الخيارات. وتداول البعض أسماء لشخصيات سياسية واعلامية على انها المقصودة، خصوصا، بكلام السيد. لكن تغريدة واحدة لمن اعتاد تقديم خطابات نصرالله في المهرجانات، حتى بات اسمه ملاصقا له، فاجأت الكثيرين لما حملته من مشاعر ومفردات تضج بحقد متراكم وفوقية متكدسة واهانة متعمدة، إن دلت على شيء فعلى استمرار حضور  الثقافة الإلغائية في صفوف بعض عناصر الحزب الذي ارتبطت انتصاراته، بتجاوز تلك الثقافة وبقدرته على نسج علاقات مع قوى لا تشبهه.
مثل انفجار بركان على توقيت الخطاب، وجه صاحب التغريدة حممه الى الصحافي ابراهيم الأمين ناشر صحيفة "الأخبار" التي انطلقت في سياق انتصار المقاومة خلال عدوان تموز ٢٠٠٦.كلام معيب لا يخلو من غل، ناهيك عن تحويره للحقائق، ترك أثرا سلبيا عميقا لدى شرائح واسعة، لبنانية وعربية، مؤيدة للمقاومة وهي من غير "بيئتها" اللصيقة. ومشكلة هذا الكلام، الذي لم يجر التنصل منه علانية، تتعدى سفاهته لتطرح اسئلة خطيرة حول توقعات المقاومة من مؤيديها وداعميها وسلوك هذه المقاومة تجاه حلفاء أو أصدقاء في لحظة تباين أو اختلاف.
يقينا لا يمثل كلام عريف مهرجانات السيد موقفا جماعيا، أو حتى غالبا، لدى أعضاء الحزب وأنصاره وجمهوره، لكنه، بالمقابل،يكشف عن وجود شريحة مؤثرة داخل الحزب بدأت تتململ، على ما يبدو، من "طعن" الحلفاء وجحود الأصدقاء وتخليهم، لكنها قررت أن تنفجر  في وجه الأقربين والأكثر حرصا وانتماء تاريخيا، في ما يعتقد انه رسالة للآخرين.
لكن من حسن الفطن الافتراض، أيضا، أن شريحة يجوز وصفها بالمتزمتة او المحافظة وقليلة التسامح مع "الأغيار" ، أسيرة الخطاب التعبوي الداخلي للحزب، الضروري لإبقاء العصبية مشتعلة،قررت أن تقضي على مساحة النقد "الحيوي والمؤثر" التي مثلها ابراهيم الأمين وصحيفة "الأخبار".  وهذه الشريحة تعمل على إستثمار السمعة العالية والتأييد الواسع والمحبة العميقة التي يكنها ملايين اللبنانيين والعرب للسيد نصرالله، بطريقة تجعلها تنسحب على الحزب نفسه،وخصوصا ذلك الذي يشتغل في الدين و السياسة والاقتصاد والاجتماع.
ويتلطى بعض هؤلاء بالعطر الشخصي للسيد، بغية التنصل من أخطاء يرتكبونها أو منزلقات يقعون فيها،وبعضها يستجلب النقد لعلاقتها بشأن عام أو بقضايا حيوية تشغل الرأي العام.
ومن المعروف ان انخراط الحزب في الدولة والانتخابات ومشاركته في مسؤولية ادارة سفينة البلاد التي لها اكثر من مقود وقبطان، قد عرضت بعض مسؤوليه للمساءلة العامة بحكم مواقعهم الرسمية، وهو ما يبدو أن جسم الحزب لم يألفه بعد. أو لعل بعض القياديين والمسؤولين لم يتعايشوا معه كما ينبغي، انطلاقا من نقطة وجيهة لا ترى جهة "دولتية" موثوقة تتولى المساءلة والمحاسبة. وجدل "المقاومة" و"السياسة" حقيقة موضوعية في بنية الحزب وحياته اليومية، كظاهرة طبيعية تقوم على الفارق في الدور و الاداء بين بنية مجربة وكفوءة وعالية التدريب وبنية فتية تعاني من مظاهر النمو.
في هذا السياق يمكن القول، باطمئنان، أن التحدي الذي شكلته انتفاضة"١٧تشرين" لجميع القوى السياسية ترك أثره لدى الحزب، تتظيما وجمهورا. وبالنظر الى صعوبة وكلفة النجاح النسبي الذي حققته قيادة الحزب، استنادا الى موثوقية السيد شخصيا،في ادارة المعركة السياسية ببعديها المحلي والخارجي، وقدرتها خصوصا على تعبئة وتحشيد وضبط حمهورها الواسع والحيوي، يصبح مفهوما أن ترتفع حساسية البعض الى درجة أن يضيق الصدر بحلفاء وأصدقاء حاولوا التأثير في هذا المسار من منطلق توفر فرصة لتغيير أكثر عمقا في بنية النظام.ولعل الدور المحوري الذي لعبته "الأخبار" في التحريض وبث الوعي الإجتماعي واعادة الإعتبار الى الإقتصاد السياسي، وطريقة وحجم مواكبتها للإنتفاضة الشعبية واحتجاجها القوي على بعض الممارسات "البلطجية" قد أجج مشاعر الإستياء لدى هذه الشريحة وأعطاها ما يكفي من ذرائع لبناء السردية التي ستتحول،في اللحظة المناسبة ،إلى مضبطة اتهام يحشر فيها البعض، البعض الآخر.
صرخة "الأمين" ضد تبرئة عميل كبير موصوف مثل عامر الفاخوري بعد أن كشفت "الأخبار"، أصلا، خبر دخوله الى لبنان واستقباله من قبل ضابط رفيع في الجيش، جرى استغلالها بشكل سيء ومسيء،في آن٠
فهل هناك في كل لبنان، والعالم العربي، من الوطنيين من لم يشعر بالخزي والعار من قرار المحكمة العسكرية؟ وهل هناك من لم يسأل نفسه كيف يحصل ذلك في بلد المقاومة الظافرة؟ وهل هناك من لم يخطر بباله، ما قاله السيد تماما،ان الرضوخ للضغط في هذه القضية يعني رضوخا لاحقا أمام ضغط مستأنف؟وهل هناك من يمكن ان يصدق، بسهولة، أن المقاومة لا تستطيع منع حصول ما حصل ؟ وعلى افتراض امكانية أن تفاجأ المقاومة بقرار المحكمة، هل يمكن اقناع الملايين أنه كان مستحيلا منع تهريب العميل من السفارة الأميركية، بالوسائل السياسية والقانونية؟
صرخة الأمين المعنونة"سيد حسن ٠٠٠انه العار" لا تحمل في مضمونها ومفرداتها ولهجتها ما يبرر أن تكون،هي،سبب انزعاج السيد نصرالله الذي دفعه الى الدعوة للطلاق مع حلفاء وأصدقاء "يشككون أو يهينون"؛ لأنها،ببساطة ووضوح شديدين، لا تحمل تشكيكا ولا إهانة. وهل يتوقع عاقل أن يأتي يوم يشكك فيه " السيد والرفيق" ابراهيم الأمين بالمقاومة أو يقبل بشتيمتها وإهانتها؟!! من الأسهل أن أفترض دائما وجود عملاء تسللوا إلى مواقع أساسية-وربما مفتاحية- في قيادة الحزب والمقاومة، ولا أتخيل أن يسمح "الأمين" ، دون أي وصف إضافي له، لنفسه بالتفكير بتوجيه أي إساءة للمقاومة فما بالكم بالتسبب بمشاعر القهر "للسيد حسن"شخصيا وهو الذي تحرق قلبه غصة منه .مع ذلك قال السيد ما قاله وسارع المغرد علي عباس الى تعيين هدف محدد للقول وتوجيهه وتضمينه معان غليظة شديدة الوطأة، وكأني به يريد اقتناص اللحظة قبل أن تفوت أو يتعمم المعنى ويضيع.فهل نجافي العلم والمسؤولية والفطنة اذا دعينا للتدقيق في خلفيات ودوافع شتائم عباس ودفعه بالامور الى أقاصيها وإلى هذه الوجهة، بالتحديد؟ وكذلك طرح السؤال ،المنطقي والتلقائي،لمصلحة من هذا التغريد الشنيع ومن يخدم؟ هل هو لصرف الأنظار عن قوى وشخصيات سياسية حليفة أم لاستهداف من إذا غاب السيد عن الكلام، ملأ بعض الفراغ بمقالات مضيئة حروفها تنبض مقاومة؟
يحتاج الرسو على جواب قاطع الى معطيات موثوقة غير متوفرة حتى اللحظة.
لكن هذا الفحيح لن يغطي على الفكرة المهيمنة التي تقول ان معاناة حزب الله مع حلفائه الأقوياء والنافذين باتت في أعلى درجاتها، فهذه الفكرة وجيهة وصحيحة الى أبعد حدود.كثيرون منهم غير مستقرين في المواقف ومشدودون إلى الشأن الداخلي ،في تجلياته التقليدية البغيضة،كمن لا يرى النار تنتشر من حوله. من بين هؤلاء من لا يتوانى عن لعبة الإبتزاز والتشاطر ورفع كلفة التحالف على الحزب باضطراد.و أغلب  هؤلاء تتوازى السياسة عندهم مع المصلحة و تعريفها الوحيد هو البراغماتية المفرطة. وأغلب الظن، حسب ما توفر من معطيات، أن طعنة الفاخوري أتت من عند هؤلاء الحلفاء بالتحديد. مع ذلك لا يلومن عاقل الحزب على "مبدأ" هذه التحالفات نظرا لضرورتها الموضوعية في الدفاع عن البلد وحماية وحدته و أمنه واستقراره.ولقد ظهر الحزب مؤخرا، مرة جديدة،كمن يقايض وقوف الحلفاء الى جانبه في المعركة الكبرى، بسياسات محلية أثبتت انتفاضة ١٧ تشرين أنها سبب لسخط متزايد لدى شرائح واسعة من اللبنانيين، بمن فيهم حلفاء وأصدقاء "آخرون" للمقاومة إضافة الى بيئة المقاومة نفسها.
وإذا كانت مشكلة الحزب مع الصنف الأول من الحلفاء انهم لا يراعون ضرورة تحصين الوضع الداخلي ويبالغون في المراهنة على عقلانيته وترفعه،فإن مشكلته مع الصنف الآخر-والتي اتضح أنها أعمق-أنهم لا يوافقونه، دائما، على طريقة ادارته "لهذه" التحالفات الداخلية، وهي طريقة غلبت، في أحيان كثيرة، محاذير طارئة على مخاطر راسخة.ويكفي، للدلالة،تخيل السيناريو الأسوأ الذي كان يمكن أن تنزلق إليه الأوضاع في سياق انتفاضة ١٧ تشرين ،التي سببتها سياسات الصنف الأول من الحلفاء . ومن موقع الادراك لهذه الإشكالية، وفهم موجباتها وحساباتها الدقيقة، يصعب القول أنها تنطبق على حالة الاعتراض الوطنية والشعبية الواسعة على ملابسات تبرئة، ومن ثم تهريب،عامر الفاخوري.ليس فقط لأن المقاومين وأهاليهم، من شتى تشكيلات المقاومة بمن فيهم حزب الله، شعروا، فرادى وجماعات،كمن تلقى طعنة نجلاء في الروح وعلى الجبين العالي، بل لأنه كان ممكنا، بكل بساطة، التعامل مع قضية الفاخوري بطريقة تراعي الحزب وصورته وجمهوره، بدل التسبب بإحراجه.ومن نافلة القول أن ذلك كان بمتناول الحلفاء النافذين في السلطة، لا الحلفاء والأصدقاء الذين يرفعون راية المقاومة نهارا جهارا.
يشير ذلك إلى وجود أسباب أخرى، متراكمة، دفعت بالسيد نصرالله الى توجيه رسائله بهذه اللهجة وبهذا التعميم والى التمنع عن اعلان كامل ما يعرف عن مجريات ما حدث، تاركا لنفسه حق مصارحة حلفائه داخل غرف الاجتماعات. وربما، أيضا،إدارة نقاش داخل الحزب لمعالجة ذيول ما حرى.
لكن ضررا آخر قد وقع.فدائرة حلفاء المقاومة وأصدقائها لا تنحصر بالصنف "المكلف" والصنف"المزايد" ،ولكليهما حسنات وسيئات. فالذين يشبهون ابراهيم الأمين كثيرون. ولئن كان "الأمين" غير معني، عن حق، بقبول الإساءة أو ردها لأسباب تتعلق بموقفه وموقعه ونظرته إلى دوره، فإن كثيرين لا يفصلون بين الحرص على منع تدحرج الأمور والحرص على احترام سوية العلاقات وذوات المناضلين. وما كشفه هجاء العريف المغرد، من استسهال وامتهان مدانين،ترك أثرا عميقا في النفوس وأخذ العقول إلى مساحة التشكك. فكيف الإطمئنان،بعد اليوم؟

ختاما، على حزب الله أن يعرف جيدا أن سياسة "من ليس مثلنا فهو ضدنا"، هي سياسة تستنفر الخصوم ولا تستقطب الحلفاء والمؤيدين.وهؤلاء المؤيدون يعرفون، تمام المعرفة، أن ما جرى بقضية الفاخوري هو خطيئة كبرى ارتكبها حلفاء وخصوم للحزب، واحتجوا،هم، عليها، بألم لا بمزايدة.لذلك قد يكون مفهوما أن يرد الحزب، بقسوة ظاهرية، "على الكنّة لكي تسمع الجارة"، لكن من غير المفهوم، ولا المقبول، أن يعلن "سيد المقاومة"، شخصيا، أنه مستعد لأن يترك في السراء من سار معه في الضراء.فالقرش ضاع في الشارع المظلم، يا سيد، وليس في الشارع المضاء.

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى