سياسةمحليات لبنانية

الجريمة في لبنان: قراءة في النسب والنوع والأبعاد والإحتمالات اللاحقة

 


محمد هاني شقير -الحوارنيوز خاص
حصلت في الأشهر القليلة الماضية عدة جرائم في مناطق لبنانية مختلفة واتّخذت أشكالاً متعدّدة، ما انعكس قلقاً لدى جميع فئات المجتمع اللبناني وهيئاته.
وانطلاقاً من حرصه على الإضاءة المفصّلة على الجريمة بكل أنواعها، أجرى موقع الحوار نيوز قراءة في الارقام والأسباب التي كانت خلف هذه الجريمة، واستطلع رأي المعنيين فيها.
ماذا في الأرقام:
من خلال الاحصاءات التي قسمناها قسمين، كل قسم مؤلف من خمسة اشهر؛ فالأول بين شهري آب وكانون الأول من العام 2019 والثاني بين شهري كانون الثاني وآيار من العام 2020، مقارنة بعدد أشهر مواز للعام 2013،  تبين أن معظم الجرائم قد ارتفعت بشكل متأرجح في القسمين الأولين، لكنها بقيت أدنى مما ارتكب في القسم الثالث. فاختيارنا لعدد أشهر مواز من العام 2013 هو بسبب ارتفاع نسبة الجريمة بشكل كبير في تلك السنة، علماً انه لم تشهد هذه السنة حدثًا سياسيًا لافتًا. ولذلك فان ارتفاع الجريمة في العام 2020 ليس مؤشرًا خطيرًا بل هو ناتج عن ظروف وعوامل مختلفة أثرت فيه، لكنه بقي أقل من ما سجل في العام 2013، وإن زاد عن بعض الأعوام بين 2013 و 2017.
بالنسبة الى جريمة القتل، يظهر أنها شهدت ارتفاعاً كبيراً. فقد سجل وقوع 43 جريمة في القسم الأول لتزداد الى 75 جريمة في القسم الثاني، بمعدل شهري تراوح بين 9 و 17 جريمة قتل، أي بزيادة بلغت حوالى 74 في المئة في القسم الثاني عنه في القسم الأول. بالمقارنة مع العام 2013 سجل حصول 160 جريمة قتل بمعدل 32 جريمة شهرياً، وهذا مؤشر واضح الى أن جريمة القتل بعامة هي في تناقص مستمر. علماً أنه وقعت جريمة قتل واحدة ومركبة في محافظة جبل لبنان قتل فيها عدة أشخاص كانت كفيلة برفع المنسوب المئوي لجرائم القتل.
كما أن صافي السيارات المسروقة في القسم الأول من العام 2019 بلغ 273 سرقة، قابله في القسم الثاني من العام 2020 سرقة 303 سيارات أي بزيادة بلغت 10.9 في المئة؛ ففي حين بلغ المعدل الشهري للقسم الأول 43 عملية سرقة، فإن المعدل الشهري للقسم الثاني بلغ 61 سرقة. ومقارنة بالعام 2013 يتبين أنّ صافي السيارات المسروقة قد بلغ 675 سيارة بمعدل شهري وسطي هو 135 سيارة. يتضح من ذلك، أن هذه الجريمة هي أيضاً في تراجع مستمر، وفاقاً لما هو واضح في هذه الارقام. واللافت في هذا الأمر، أن معظم السيّارات التي تُسرق، يقوم السارقون بتهريبها الى خارج البلاد بطريقة غير شرعية، ومن معابر سرّية، وبيعها بأقل من أثمانها بطبيعة الحال.
امّا بالنسبة إلى سلب السيّارات، فقد جرى سلب 25 سيّارة في القسم الأول، في حين سجّل سلب 18 سيّارة في القسم الثاني، بتراجع نسبته 28 في المئة عن القسم الأول. وأيضاً مقارنة بالعام 2013 نجد ان مجموع السيّارات المسلوبة قد بلغ 87 سيارة، أي بزيادة عن القسمين المدروسين تبلغ 44 عملية سلب.
في ما يتعلق بالسرقات الموصوفة التي تستهدف عادةً المنازل، والمحالّ التجارية، والصيدليات وغيرها، فقد بلغت في القسم الأول من العام 2019, 650 عملية, أي بمعدل شهري بلغ 134 عملية، ليقابلها في القسم الثاني، أي عام 2020, 863 عملية، بمعدل 173 سرقة شهريًا، بزيادة بلغت نسبتها 32 في المئة، أما  في العام 2013 فقد بلغت السرقات الموصوفة 945 عملية، بواقع شهري بلغ 189 عملية.
أما اللافت فهو في حوادث الانتحار التي بلغت في القسم الاول 59 حادثًا، ما يعادل 12 حادثًا شهرياً، في حين بلغت في القسم الثاني 71 حادثًا، ما يعادل 14 حادث انتحار شهريًا. وهذه الحالة هي الوحيدة في الجرائم التي تسجّل أعلى من مثيلاتها في العام 2013، إذ بلغت في هذا العام 111 حادثة، بمعدل شهري هو 9 حوادث.
في أرقام حوادث النشل، نجد أن القسم الأول المذكور سجل وقوع 260 عملية نشل، بمعدل شهري بلغ 56 عملية، في حين انخفض العدد في القسم الثاني الى 143 عملية، بتراجع نسبته 45 في المئة. ومقارنة بالعام 2013 فقد سجل وقوع 325 عملية، بمعدل شهري بلغ 65 عملية، أي بزيادة في العدد الاجمالي بلغت 24 عملية.
ماذا عن الأسباب:
يرجع مصدر أمني مطّلع، التفاوت في الجريمة بين القسمين الأولين، الى أسباب مختلفة، ويرى انّ ارتفاع الجريمة خلال العام 2020 ليس مستغربًا، فقد سبق وان شهد العام 2013 ارتفاعًا أكبرًا وهذا أمر لا يدعو الى الخوف والقلق، ويطمئن الى ان الأمن ممسوك بشكل جيد بالرغم من صعوبة الوضع الذي نمر به، ويتابع ان جهد قوى الأمن الداخلي منصبّ على جميع الصعد، ففي الوقت الذي شهدت فيه البلاد حراكًا شعبيًا منذ 17 تشرين على معظم الاراضي اللبنانية، فإن قوى الامن الداخلي لم تدّخر جهداً في التعامل مع المهامّ التي يلقيها عليها القانون، على الرغم من نقص العديد والعتاد. وقوى الامن، وبخاصّة شعبة المعلومات والقطعات العملانية الأخرى، واصلت عملها بلا كلل، وتمكّنت من تحقيق انجازات كبيرة في مكافحة الجريمة. فقد جرى القضاء على عصابات سرقة المصارف في غضون أشهر، ولما وجد المجرمون الذين يسرقون المصارف أنهم أصبحوا تحت نظر قطعات قوى الأمن الداخلي ومتابعتها، حوّلوا عملياتهم الى سرقات أخرى كالصيدليات، وأيضاً تمكّنت قوى الامن من توقيف معظم هذه العصابات في خلال أوقات قصيرة من تنفيذ تلك العمليات، وكان آخرها توقيف رئيس عصابة تمتهن سرقة الصيدليات ومحطّات الوقود، وهو المدعو: م. غ. (فلسطيني، ملقّب بالمحترم) في عملية محكمة لدى خروجه من مخيّم برج البراجنة، والذي اعترف بالتحقيق معه بقيامه بعدّة عمليات سلب صيدليات ومحطّات وقود، وتبين أنّه من أصحاب السوابق، ومن أخطر المطلوبين بجرائم قتل، وهو مسلّح بشكل دائم.
ويضيف المصدر المذكور، أنّ معظم منفّذي الجرائم الذين يجري توقيفهم، يتبيّن أنّهم ينقسمون قسمين: إمّا هم من أصحاب السوابق، وإمّا هم من المدمنين، ومن يفلت من هذين القسمين، يكون من المرضى النفسيّين. وتاليًا، لا يوجد شرائح اجتماعية جديدة دخلت على هذه الجرائم، على الرغم من الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمرّ بها لبنان. ويؤكّد أنّ من جرى توقيفهم بجرائم القتل مؤخّرًا، هم مرضى نفسيّون، وبحسب المعلومات التي رشحت تبين أن الأمثلة كثيرة لمثل تلك الحالات ومن من بينها ما اعترفت به سيّدة سورية منذ أيّام، والتي قام زوجها بطلاقها بعد ان عرف أنّها تعرّضت لمحاولة اغتصاب من ابن عمّتها، وهي، تحت تأثير الضغط النفسي والذكوري والمجتمعي، وكي تعيد الاعتبار الى نفسها، وثقة طليقها بها، واعدت ابن عمّتها في بلدة نحلة البقاعية، وأقدمت على قتله بطعنات سكّين، وقامت بقطع عضوه التناسلي وكانت بصدد ارساله الى طليقها، كي تثبت له أنّها غسلت "عارها" ولكن تمكنت شعبة المعلومات من إماطة اللثان عن الجريمة في أقل من 24 ساعة على تنفيذها. كما أنّ ما رشح من عملية كبيرة، راح ضحيّتها عدّة اشخاص، تبين أن الفاعل هو أيضاً يعاني مرضًا نفسيًّا، ربما كان الاجدى به ان يكون في مكان مخصّص للعلاج، بدل ان يعيش مع ذويه في المجتمع.
ومع جائحة كورونا، زادت الجرائم الالكترونية، وبخاصة عمليات الابتزاز الجنسي، إضافة الى زيادة العنف الأسري. إن التمعّن في هذه المسألة، يدفعنا الى دراسة ما فرضته تلك الجائحة من حجر صحّي، انعكس واقعًا جديدًا لدى الشعب اللبناني. فبالنسبة الى زيادة الابتزاز الجنسي، فإنّ الحجز أو الحجر أدى الى خلق ظروف عائلية متعددة: فهناك عائلات زادت الألفة فيما بين أفرادها، وأخرى تصدّعت عراها. ومن الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم أنهم لا يستطيعون ترك هواتفهم والتحدث الى عائلاتهم، فإن من بينهم من ذهبوا الى علاقات جديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ومعظمهم لا يتمتّع بثقافة قويّة، بخاصة الفتيات الصغيرات، فإنهنّ وقعن ضحيّة أشخاص تواصلوا معهنّ وأخذوا منهنّ صورًا خاصّة، استطاعوا من خلالها ابتزازهنّ بغية الحصول على علاقة حميمة أو لكسب منفعة مادّية.
وقد تمكن مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية في قوى الامن الداخلي من توقيف كثير من الأشخاص الذين ارتكبوا مثل هذه الجرائم. وللمناسبة، تذكّر شعبة العلاقات العامة، بشكل شبه دائم، المواطنين وفي بلاغاتها، بوجوب الحذر من التواصل مع أشخاص غير معروفين منهم شخصيًّا، وتدعو الأهل الى تمتين أواصر العلاقات بين جميع أفراد العائلة، ومتابعة أطفالهم بشكل دائم، لمنع وقوعهم في مثل هذه المشاكل. وتذكر الذين يتعرضون للعنف الاسري ان بامكانهم الاتصال على الرقم 1745، وتطلب من الذين يتعرضون للابتزاز الى طلب المساعدة والنصيحة على الرقم 01293293، وللشكوي الاتصال بخدمة بلغ في موقع قوي الامن الداخلي الالكتروني www.isf.gov.lb او عبر رسالة sms على الفايسبوك.
أمّا في ما يتعلّق بزيادة جرائم العنف الأسري، فيرجع المصدر المذكور ذلك، الى عدّة عوامل، لكنّه يربطها بالظروف التي أملاها الحجر الصحّي، فبرأيه هناك حالات معيّنة عاطفية ونفسية أسهمت في هذه الزيادة، وهناك اشخاص كان لديهم الاستعداد لممارسة العنف الاسري فزادها الحجر المنزلي جرأة في ذلك، ويضيف انه بينما تكون العلاقة العاطفية بين الطرفين في حالة اهتزاز قبل الحجر، فإنها تأخذ منحى سلبيًا بعده، مما ينعكس في الجوّ العائلي برمّته، ويتطوّر الى حدّ استخدام العنف بين الزوجين. وربما لو كانا في ظروف اجتماعية طبيعية، فإنّ علاقتهما أقرب الى التصالح منه الى الخلاف. كما أنّ الحالة النفسية العامّة التي يتأثّر بها الزوجان نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وفقدان العمل عند أيّ منهما، تكون هي الأخرى سببًا من أسباب زيادة العنف المذكور.
ماذا يقول علم النفس في ارتفاع جرائم العنف الأسري؟
من جهتها المعالجة النفسية الأستاذة لُمى أمهز جوليان، اعتبرت أم الأزمات أو الصدمات التي يواجهها الفرد في ظل الظروف الصعبة الراهنة وبخاصة ابتداءًا من ثورة 17 تشرين عام 2019 وصولاً الى أزمة جائحة كورونا، مضافًا إليها الحالة الاقتصادية السيئة، قد زادت من جرائم العنف الأسري على مختلف أشكاله؛ من العنف الجسدي الى العنف اللفظي والمعنوي والنفسي الذي يمارسه الزوجين على حدٍ سواء وهذا ما نلمسه في خلال معالجة الحالات التي تردنا في العيادة.
وأضافت ان هذه السلوكيات أو ردات الفعل ما هي الا صدمات مترسخة داخل الفرد نفسه الذي لم يستطع حلها سابقًأ، فجاءت الصدمات الحديثة لتفتح الباب على كل ما هو مختزن داخله، ليعبر عنها بسلوكيات ملتوية أو بطريقة عشوائية. وهنا نشير الى غريزتين أساسيتين عند الإنسان: غريزة الحياة وغريزة الموت، فكما تبين في بداية الثورة أن نزعة الحياة كانت قوية يحدوها الشعور بالأمل بمستقبل أفضل على عدة صعد، مما جعل الأفراد ينزلون الى الشارع ويعبرون عن مكنوناتهم الداخلية فكانت الساحات فرصتهم لتفريغ مكنوناتهم بما فيها العدوانية، ثم جاءت جائحة كورونا لتخيب أمالهم وتصدمهم وتُظهر مخاوفهم الدفينة مما جعلهم يشعرون بنوع من الاحباط والقمع ومواجهة الموت ( فيروس كورونا) وهنا بدأت تتفجر الأزمات بطرق مغايرة وبشكل عدواني في المنازل بين الزوجين خصوصًا، فعبرت عن ذاتها بشكل عدواني عشوائي، فإنعكست تزايدًا لافتًا في جرائم العنف الأسري.
وختمت أمهز: إن المعالجات الآنية قاصرة ولا تفي بالغرض، لا سيما وان الأزمات تزداد عمقًا ووجعًا في لبنان، والمطلوب هو مزيد من الحوار بين الزوجين لتلافي الصدام فيما بينهما بانتظار انفراجات على جميع الصعد المأزومة في لبنان.
أمّا في ما يتعلّق بالسرقات الموصوفة، فإنّها تبقى مستمرّة بشكل معين نظرًا إلى أنّ السارقين يقومون بسرقة المنازل في فصل الصيف في المدن، كون معظم العائلات تمضي أوقاتها في القرى، وعلى العكس يقوم هؤلاء السارقون بسرقة المنازل النائية، والموجودة على أطراف القرى، في فصل الشتاء، كون معظم تلك المنازل تكون خالية من أصحابها الذين يقطنون شتاءً في المدن.
إن الجريمة في لبنان، حتّى يومنا هذا، لم تتخطّ المعدّل العالمي المتعارف عليه، بل إنّ بعض الدول التي فيها أجهزة شرطية أكثر توافرًا وتطوّرًا، تحصل فيها جرائم أكثر ممّا يحصل في لبنان، كبعض الدول في أميركا اللاتينية.
الخاتمة:
حمّل بعضهم الانتفاضة مسؤولية الزيادة الملحوظة في معدّل الجريمة في لبنان مؤخّرًا. ولكنّ الأرقام المذكورة تؤكد أنّ ارتفاع الجريمة  في الاشهر الخمسة من العام 2020 ليس كبيرًا بالمقارنة مع سنوات سابقة بينها عام 2013، وإن كانت مرتفعة عن بعض الأعوام ما بين 2013 و 2020.
إنّ الزيادة التي سجلت في الجرائم المرتكبة بحسب الاحصاءات التي أوردناها تطرح الكثير من الأسئلة والهواجس، لا سيما وأن المرحلة الممتدة من تاريخ 17 تشرين عام 2019 وحتى شهر آيار من العام 2020 تحمل عدة متناقضات تجعل من الصعب التكهن بالظروف التي جعلت الجريمة تبدو أنها مرتفعة عن سابقاتها من السنوات. غير أن الحالة الاقتصادية الصعبة وظروف الحجر الصحي لعبت دورًا سلبيًا في تفاقم هذه الجريمة في المجتمع اللبناني ولدى المقيمن.
إنّ المرحلة المقبلة تفترض أن تغيرًا ما سيطرأ على الحياة اللبنانية، وذلك مع عودة النشاط الى طبيعته، وهنا يبقى السؤال مفتوحًا على مصراعيه: هل ستستقر الجريمة على الحال الذي رأيناه أم ستتراجع الى حالٍ أفضل، أم هو هدوء ما قبل عاصفة تحت عنوان "من أين يقتات اللبناني والمقيم في لبنان؟"


 

 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى