رأيسياسةغير مصنفمحليات لبنانية

الجريمة التي ستقودنا الى القيامة(د.فيليب سالم)

 

بقلم الدكتور فيليب سالم

2 آب 2021

 

ويسألونك. كيف تجرؤ على الكلام وانت في بحر من الألم؟ واي كلام يرقى الى هول الجريمة؟  ولماذا لا نزال نخاف من المجرم؟ وها انت تعرف اننا نعرف هذا المجرم جيدا؟ نحن لا ننتظر تحقيقا. اننا نعرف الحقيقة. لقد حدد الألم في اعماقنا هوية المجرم واسمه. والجواب عندي هو ان هذا اليوم ليس وقتا للخوف. انه وقت للحقيقة. يجب ان نتخطى الألم، وننفض عنا غبار الخوف والإحباط، ونلتحق بالثورة.  ولكن الثورة لا تكون ثورة ان لم يكن لديها رؤية واضحة لقيامة لبنان.  لذا جئنا اليوم نقترح على الثورة الرؤية التالية: تدويل القضية اللبنانية، واحياء الثورة بمفاهيم جديدة، وتغيير السلطة بالطرق الديمقراطية والحضارية، وتحديد استراتيجية محكمة للفوز بالانتخابات النيابية المقبلة. 

 

كان انفجار الرابع من آب، ثالث أهم انفجار في التاريخ المعاصر. ولكن هذا الانفجار لم يكن نتيجة اعتداء قامت به دولة ضد دولة أخرى كما حدث في ناجازاكي وهيروشيما. ولم يكن نتيجة عطل تقني كما حدث في تشرنوبيل. كان عملا إرهابيا قامت به ” الدولة” اللبنانية ضد شعبها. ويسألونك عن الحقيقة! فالحقيقة هي ان “الدولة” بجميع اركانها من راسها الى أخمص قدميها كانت تعرف خطورة الوضع في مرفأ بيروت. ولكن لم يجرؤ مسؤول واحد على القيام بعمل ما لتفادي المأساة. كلهم خضعوا الى السلطة المزورة. والسلطة ذاتها خضعت بكاملها الى القوى التي تقبض على قرارها. قوى محور الممانعة. لم تكن جريمة الرابع من آب جريمة ضد المسيحيين بل كانت جريمة ضد كل اللبنانيين. ولم تكن جريمة ضد لبنان فقط بل كانت جريمة ضد كل انسان. كانت هذه الجريمة جريمة ضد الإنسانية.  وهذا هو المدخل الى تدويل القضية اللبنانية. لقد طرح البطريرك الراعي رأس الكنيسة المارونية فكرة عقد مؤتمر دولي لضمان حياد لبنان. ومن اجل ذلك دعا البابا فرنسيس، رأس الكنيسة الكاثوليكية في العالم، الى اجتماع عقد في الفاتيكان منذ شهر تقريبا. في هذا الصدد نحن نخاف ان يعتبر البعض هذا الطرح طرحا مسيحياً؛ وانه خطة لحماية الوجود المسيحي في الشرق. لذلك نحن نصر ونقول اننا نريده طرحا لبنانيا، طرحا وطنيا، طرحا للمجتمع المدني في لبنان. طرحا للثورة في لبنان. نحن نؤمن بان اهم حماية للوجود المسيحي في الشرق هو في تفعيل دور المسيحيين، وفي الانصهار المسيحي الإسلامي، وفي بناء الدولة المدنية. وعلينا ان لا ننسى ان الفاتيكان لا ينظر الى لبنان كدولة مسيحية بل يعتبره ” أكبر من وطن، انه رسالة “. يعتبره رسالة لأنه نموذج رائع لمعانقة المسيحية للإسلام في الشرق. 

ولا بد لنا من الشكر لدولة فرنسا ولرئيسها، ولدول الاتحاد الأوروبي على استعدادها لدعم لبنان. ولكن هذا الدعم ليومنا هذا ينحصر بالمساعدات الإنسانية وبتشكيل حكومة تحت مظلة قيادة فاشلة وفاسدة. القيادة ذاتها التي أوصلت لبنان الى هنا. قد يكون هذا النوع من الدعم ضروريا في المرحلة الآنية الا انه يبقى غير كاف.  المطلوب هو إحياء لبنان. المطلوب هو إزاحة السلطة الفاسدة عن الحكم وتحرير لبنان من محور الممانعة، وضمان حياده. لذلك نطالب هذه الدول بعقد مؤتمر دولي للبنان بإشراف الأمم المتحدة.  وإذا ذهبنا الى هذا المؤتمر فماذا نطلب من العالم لمساعدتنا؟ نطلب وضع لبنان مرحليا تحت المظلة الدولية. فلبنان يحتاج دون أي شك الى دعم اقتصادي، ولكنه يحتاج الى أكثر من ذلك بكثير، فهو يحتاج الى دعم في السياسة والأمن والاستقرار. يحتاج الى دعم دولي لضمان استقلاله وسيادته وحياده. ونحن نفضل ان تكون هذه المظلة الدولية مظلة الأمم المتحدة، ولكن ان لم تكن هذه المظلة متوفرة فخيارنا الثاني هو المظلة الأوروبية.  إما بواسطة الاتحاد الأوروبي واما بحلف شمال الأطلسي، او ما يعرف بحلف الNATO . 

بالإضافة الى ذلك نطلب وضع خطة اقتصادية على مثال خطة مارشال التي تبنتها الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية لإحياء أوروبا. فمن الصعب ان ينهض لبنان من هذا القعر دون دعم اقتصادي دولي على هذا المستوى. 

وكيف نطلب مساعدة دول العالم، ونحن لسنا بصدد مساعدة أنفسنا؟ الم نقتنع بعد ان مسؤولية بناء لبنان الجديد هي مسؤوليتنا نحن لا مسؤولية غيرنا؟  لذا يجب احياء الثورة وانتشالها من التخبط العبثي الذي يفتك بها. ويجب ان نبدأ أولا بتوحيد فصائل الثورة تحت رؤية موحدة. ونحن نسأل، اذا لم يوحدنا الرابع من آب، وقعر الذل الذي وصلنا اليه، فأية قوة في الأرض ستوحدنا؟ ألم نتعلم بعد ان التشرذم يقتل الثورة؟ ويجب ثانيا انشاء قيادة حكيمة للثورة تتولى مسؤولية ايصالها الى أهدافها. واما ثالثا فيجب نبذ العنف بكل اشكاله. لقد كان العنف من اهم الأسباب التي أحبطت الثورة. لذلك نعيد ما قلناه مرارا انه يتوجب على الثورة الارتفاع الى الحضارة.  الارتفاع الى التمرد اللاعنفي الحضاري. والبعض قد يسخر ويسأل كيف تطلب من الجياع تمردا لاعنفيا؟ أتذكروا ان الذين جاؤوا بفلسفة التمرد اللاعنفي كانوا أفقر الناس واكثرهم جوعا؟ وخوفنا ان الحضارة قد تهاجر الى وطن آخر ان لم يكن لها وطن يحتضنها. لقد كانت الحضارة ههنا قبل ان تكون في أي مكان آخر. 

 

ونأتي الى الهدف الكبير للثورة الا وهو تغيير الطبقة السياسية الحاكمة. وفرز طبقة جديدة تؤمن بان لا سيادة فوق سيادة لبنان، وبان الحكم ليس جاهاً بل هو مسؤولية. وبأن الولاء لا يكون للزعيم او للطائفة بل يكون للبنان. وبما اننا أبناء حضارة، فنحن نؤمن بان الانتخابات النيابية المقبلة هي الفرصة المتاحة لنا للتغيير بالطرق السلمية والديمقراطية. هذا مع العلم ان السلطة الحالية لا تريد اجراء الانتخابات، وبالتأكيد لا تريد اجراءها في الموعد المحدد لها؛ فهي تعمل على تأجيلها او الغائها. لذا نطلب من المجتمع الدولي مساعدتنا لإجراء هذه الانتخابات في موعدها وبرعاية دولية. نحن لا نأتمن الى سلطة “الدولة”. هذه السلطة التي زورت هوية لبنان، لن تتردد عن تزوير الانتخابات.

لقد اضعنا فرصا كثيرة من قبل. يجب ان لا نضيع هذه الفرصة. نحن ندعو اللبنانيين كل اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، وضع قشورهم جانبا، والالتحاق بمسيرة التغيير. انها قضية لبنان ووجوده. قضية الحضارة والحرية في الشرق. ليس هناك قضية أكبر من قضية الحرية لان الحرية تحدد ماهية الانسان. 

وأكاد اسمع صوتا خافتا من بعيد يقول: “نسجد لآلامك” أيها الوطن الصغير، “فأرنا قيامتك المجيدة”. 

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى